عَلَيْهِ
« 1 » ، ثم نعتهم بمثله فقال سبحانه « 2 »
أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ
« 3 » ، فإن كان لا بد / 91 ب / من مال فمسخّر لك لا مسلّط عليك ، بل تكون أنت المسلط عليه لا المسخّر له ، ويكون مالك هو المسخر لك فهذا من حسن التوفيق للأغنياء .
وقال يحيى بن معاذ الرازي « 4 » : مصيبتان لم يسمع بمثلهما الاوّلون والآخرون للعبد في ماله عند موته يؤخذ منه كلّه ، ويسأل عن كله « 5 » . وقال علي كرم اللّه وجهه : ما سرّت الدّنيا بقدر ما ضرّت فلا يغرنّكم كثرة ما يعجبكم فيها لقلّة ما يصحبكم منها ، وأن امرأ ذهب ساعة من عمره في غير ما خلق له ، فجدير أن تطول حسرته ، لا فخر فيما يزول ، ولا غنى فيما لا يبقى ، ولكنّ بين الرقود النظر الصحيح مفقود . ويقال : أكثر العوام كالهوام « 6 » ، وأكثر الأغنياء أغبياء .
وقال حكيم إذا كان العبد متلبسا بحال من أحوال دنياه ، وكان له فيها شغل يمنعه من أعمال الصّالحة وأحال ذلك العمل على فراغه من تلك الاشتغال .
وقال إذا تفرّغت عملت فذلك من رعونة النّفس ، والرعونة ضرب من الحماقة ، وحماقته من وجوه ؛ الأول : إيثار الدّنيا على الآخرة وليس هذا شأن عقلاء المؤمنين وهو خلاف ما طلب منه وأمر به
وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى
« 7 » ، والثاني : تسويفه بالعمل إلى أوان فراغه وقد لا يجد مهلة بل يختطفه / 92 أ / الموت قبل ذلك أو يزداد شغله فإنّ اشتغال الدّنيا يتداعى بعضها إلى بعض كما قيل ، شعر ( البسيط )
فما قضى أحد منها لبانته
ولا انتهي أرب إلّا إلى أرب
والثالث : ما الذي يؤمنه من تبدّل عزمه وضعف نيّته ، ثم فيه من دعوى الاستقلال ورؤية الحول والقوة في جميع أحواله ما يستحقر في جنب جميع
هامش
( 1 ) سورة التوبة : آية ( 92 ) .
( 2 ) وردت في بعض النسخ : تعالى .
( 3 ) سورة التوبة : آية ( 92 ) .
( 4 ) هو يحيى بن معاذ بن جعفر الرزاي ( 258 ه / 872 م ) واعظ ، زاهد ، أقام ببلخ وتوفي في نيسابور ، له كتاب المريدين .
انظر صفة الصفوة 4 / 90 - 98 ؛ طبقات الصوفية ، 107 - 114 .
( 5 ) انظر نص الرزاي في صفوة الصفوة 4 / 91 - 92 .
( 6 ) الهوام : الذاهبون على وجوههم ، كالإبل من قلة المرعى ذهبت على وجهها ، لسان العرب ( مادة : هوم ) .
( 7 ) سورة الاعلى : آية ( 17 ) .