وقد آن لي الشروع في ترتيب هذه الرسالة وتهذيبها وتبيين مطالبها وأساليبها ، وأرجو من اللّه الكريم وفضله العميم وجوده القديم أن ينفع بها نفسي وخاصتي وأحبائي ومن توفق لها من المسلمين ، وأن يجزل عليها أجري وثوابي ويثبت لي بها قدم صدق يوم الدين إنه جواد كريم ، ورتبتها على مقدمة واثني عشر بابا وخاتمة .
أما المقدمة : فهي من قواعد المقاصد السنية وأركانها ، فلهذا تعين أولا تقديم كشفها وبيانها .
فأقول : إعلم أن العدد الاثني عشر الذي اخترناه هاهنا وهو الموسوم به هذه الرسالة الشريفة تيمنا وتبركا بأسماء الأئمة الاثني عشر الذين هم في البرية خير البشر ، وإذا نظر الإنسان بعين البصيرة علم أه عدد متبع وعلم ظاهر مرتفع ، قد اشتهر وذاع في جميع البقاع فهو واجب الاتباع ، ووجدت هذا العدد مميزا عن سائر الأعداد في أشياء جعلها اللّه تعالى فعلم بذلك شرفه وعلو مرتبه ، ويكفي أنه منسوب إلى الأئمة الراشدين ( صلوات اللّه عليهم أجمعين ) وهم اثني عشر إماما وها أنا أذكر أثني عشر وجها في هذه المقدمة ، فإنها من أحسن نتائج الفطن الجارية لاستخراج جواهر الخواطر في السر والعلن .
الوجه الأول : أن الإسلام والإيمان بنيا على أصلين أحدهما لا إله إلّا اللّه والثاني محمد رسول اللّه ، وكل واحد من هذين الأصلين مركب من اثني عشر حرفا ، والإمامة أصل من أصول الإيمان ، بل هي في الحقيقة الإيمان المتأل والإسلام المتقرر من هذين الأصلين ، فيكون عدد الأئمة القائمين بهما اثني عشر كعدد كل واحد من حروف الأصلين المذكورين .
الوجه الثاني : أن اللّه سبحانه أنزل في كتابه العزيز قوله :
وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً
« 1 » ، فجعل عدة القائمين بهذه الفضيلة والنقيبة التي هي النقابة مختصة بهذا العدد ، فيكون عدد القائمين بفضيلة الأمة والتقدم بها مختصة به ، ولهذا لما بايع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم الأنصار ليلة العقبة قال لهم : ( أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيبا كنقباء بني إسرائيل ) ، ففعلوا ، فصار ذلك طريقا متبعا وو عددا مطلوبا .
الوجه الثالث : قال اللّه تعالى :
وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ، وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً
« 2 » فجعل الأسباط الهداة إلى الحق في بني إسرائيل
هامش
( 1 ) - المائدة : 12 .
( 2 ) - الأعراف : 159 - 160 .