الحدود الشرعية ، ثمّ أنا نحرص على ستر عوراتهم من غير تنقص لهم بها كما يفعل ذلك بالميّت وإذا ذكرهم ذاكر بشر نهيناه عن الخوض في ذلك لأنّها غيبة ، كما ننهي أنفسنا وننهاهم عن غيبة الميّت ، والأعوام وأوباش الناس من جملة الأموات فلا يجوز غيبتهم ولا تفعل شيئا ولا تتركه لأجلهم ولا نبغضهم ولا نحبّهم ولا نلومهم على بغضهم لنا وقدحهم في أعراضنا ، ولا نكره سبّهم إيّانا ولا حسدهم لنا ولا نقابلهم بمثله ، فالحاصل أنّهم كالعدم في جميع ما ذكرناه ، فهم مدبرون تجري فيهم أحكام اللّه ( تعالى ) ، فمن عاملهم هذه المعاملة جمع خير الدنيا والآخرة . نسأل اللّه ( تبارك وتعالى ) التوفيق لذلك .
واعلم : أنّ الأسباب المثيرة للحسد كثيرة جدّا إلّا أنّها ترجع إلى سبعة : العداوة ، والتعزز ، والتكبّر ، والتعجّب ، والخوف من فوت المقاصد ، وحبّ الرئاسة ، وخبث النفس وبخلها ، فإنّه إنّما يكره النعمة عليه إمّا لأنّه عدوه فلا يريد له الخير وهذا لا يختصّ بالأمثال ، وإمّا لأنّه يخاف أن يتكبّر بالنعمة عليه وهو لا يطيق احتمال كبره وعظمته لعزّة نفسه وهو المراد بالتعزز ، وإمّا أن يكون في طبعه أن يتكبّر على المحسود ويمتنع ذلك عليه بنعمته وهو المراد بالتكبّر ، وإمّا أن تكون النعمة عظيمة والنصيب كبيرا فيتعجّب من فوز مثله بمثل تلك النعمة وهو التعجّب ، وإمّا أن يخاف من فوات مقاصده بسبب نعمته بأن يتوصّل به إلى مزاحمة في أعراضه ، وإمّا أن يكون لحبّ الرياسة التي تبتني على الإختصاص بنعمة لا تساوي فيها ، وإمّا أن لا يكون لسبب من هذه الأسباب ، بل لخبث النفس وشحّها بالخير لعباد اللّه . وقد أشار اللّه ( سبحانه ) إلى السبب الأوّل بقوله :
وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ
« 1 » ، وإلى الثانية بقوله :
لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ
« 2 » أي كان لا يثقل علينا أن نتواضع له ونتبعه إذا كان عظيما ، وكانوا قد قالوا : كيف قد يتقدّم علينا غلام يتيم وكيف تطأطأ له رؤوسنا ، وإلى الثالثة بقوله :
ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا
« 3 » ،
أَ نُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا
« 4 » ،
لَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ
« 5 » ، فتكبّروا وتعجّبوا من أن يفوز برتبة الرسالة
هامش
( 1 ) - آل عمران : 118 .
( 2 ) - الزخرف : 31 .
( 3 ) - يس : 15 .
( 4 ) - المؤمنون : 47 .
( 5 ) - المؤمنون : 34 .