ونعوت كبريائه بسبب الانتساب الذاتي كان أولى ، فلهذا قال :
وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها
« 1 » وقال اللّه ( تعالى ) :
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى
« 2 » .
وروي أن الحسن البصري رأى فتى من أبناء الملوك راكبا ومعه حشمه ، فأراد أن يعظه فجلس وسط الطريق وقال : أبيع ثلاث كلمات ، فسمع الفتى ، فسأله فقال : بكم ؟
قال : كلمة بدرهم ، وكلمة بدرهمين ، وكلمة بثلاث دراهم . فقال : أسمعني الكلمة بالدرهم ، فقال : أتلبس هذه الثياب الفاخرة كل زمانك ؟ قال : لا ، ولكن ساعة أحضر مجلس الملك فأستحي أن أكون دون جلسائه في العرض . فقال : تنبه إذا كنت تستحي من جلسائه ساعة ألا يجب الإستحياء من جلساء الصالحين في الجنة أبدا مع النفس الملوثة بالذنوب ؟ فنزل الفتى عن فرسه فقال : هات التي بالدرهمين . قال : ألك قصر ؟
قال : نعم ، قال : بأي شيء تحمل الطين واللبن اليه ؟ فقال : بالبغال والحمير . قال : فلم تضع عليه أكثر مما وضعت ؟ فقال : لا يطيق . قال : فلما أشد جهالة من كانت شفقته على الحمار فوق شفقته على نفسه حيث يحمل على نفسه من الذنوب مثل الجبال الرواسي كيف يطيقها ؟ فغشي على الفتى ، فما أفاق قال : أين كلمة بثلاثة دراهم ؟ قال : هل عملت ذنبا قط ؟ قال : كثيرا . قال : أفي الملأ من الناس أم في الخلوة ؟ قال : في الخلوة .
قال : أتعلم أن الجزاء منهم أم من الغير ؟ قال : بل من الغير . قال : فما أشد جرأة من قد أجرم متواريا ممن لا يجازيه وأجرم قبل من يجازيه ؟ فصاح الفتى وترك الملك وتاب .
ونقل أبو حامد القزويني الموازيني عن الأوزاعي قال : رأيت بأرض بيروت عجائب ثلاثة : الأولى : كنت بها وإذا أنا يرجل من جواد وإذا رجل راكب على جرادة عليه خفان أحمران وفي يده قضيب ويقول : الدنيا باطل باطل ما فيها إلّا ما هو للّه ، ولا يشير الجراد إلى موضع الآمال إليه .
والثاني : كان عندنا رجل قد لج بالصيد وله بغلة دهماء يصيد عليها ، فخرج يوم جمعة فقيل له : ويحك يوم جمعة ؟ فخرج فخسف به فرأيت أدنى بغلته في الأرض .
الثالث : رأيت شابا يلزم المسجد فأحببت أن أعلم من أين معيشته ، فما زال يصلي في المسجد حتى صلى العشاء فتبعته فجاء باب المدينة وقد أغلق فانفتح له ، فخرج وصعد شجرة بلوط فجعل يأكل ، فقلت : السّلام عليكم ، فقال : وعليك السّلام ، أبو عمرو ؟
فقلت : نعم ، فقال لي : إصعد وكل مما رزقنا اللّه .
هامش
( 1 ) - الأعراف : 180 .
( 2 ) - طه : 8 .