تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المواعظ العددية أحاديث وحكم ومواعظ تبدأ بالآحاد وتنتهي بالإثنى عشر — صفحة 248

مساهمون:

ص٢٤٨
صورة كتاب كتبه الغزالي من طوس إلى الوزير السعيد نظام الملك جوابا عن كتابه الذي استدعاه فيه إلى بغداد يعده فيه بتفويض المناصب الجليلة بها إليه ، وذلك بعد تزهد الغزالي وتركه تدريس النظامية : بسم اللّه الرحمن الرحيم
وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ
« 1 » اعلم أن في الخلق في توجههم إلى ما هو قبلتهم ثلاث طوائف : أحدها : العوام الذين قصروا نظرهم على العاجل من الدنيا فمنعهم الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بقوله : « ما ذئبان ضاريان في رزية غنم بأكثر فسادا من حب المال والسرف في دين المرء المسلم » . وثانيها : الخواص ، وهم المرجحون الآخرة القائلون بأنها خير وأبقى ، العاملون لها الأعمال الصالحة تنسب إليهم التقصير بقوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « الدنيا حرام على أهل الآخرة والآخرة حرام على أهل الدنيا ، وهما حرامان على أهل اللّه ( تعالى ) » . وثالثها : الأخص وهم الذين علموا أن كل شيء فوقه شيء آخر ، فهم من الآفلين ، والعاقل لا يحب الأفل ، وتحققوا أن الدنيا والآخرة من بعد مخلوقات اللّه ( تعالى ) وأعظم أمورها الأجوفان : المطعم والمنكح ، وقد شاركهم في ذلك كل البهائم والدواب ، فليست مرتبة سنية ، فأعرضوا عنهما وتعرضوا لخالقهما وموجدهما ومالكهما ، وكشف عليهم معنى واللّه خير وأبقى ، وتحقق عندهم حقيقة لا إله إلّا اللّه ، وأن كل من توجه إلى ما سواه فهو غير خال من شرك خفي ، فصارت جميع الموجودات عندهم قسمين : اللّه وما سواه ، واتخذوا ذلك كفتي ميزان وقلبهم لسان الميزان ، فكلما رأوا قلوبهم مائلة إلى الكفة الشريفة حكموا بثقل كفة الحسنات ، وكلما رأوها مائلة إلى الكفة الخسيسة حكموا بثقل كفة السيئات ، وكما أن الطبقة الأولى عوام بالنسبة إلى الكفة الثانية ، كذلك الطبقة الثانية عوام بالنسبة إلى الطبقة الثالثة ، فرجعت الطبقات الثلاث إلى طبقتين ، وحينئذ أقول : قد دعاني صدر الوزراء من المرتبة العليا إلى المرتبة الدنيا ، وأنا أدعوه من المرتبة الدنيا ، إلى المرتبة العليا التي هي أعلى عليين ، والطريق إلى اللّه ( تعالى ) من بغداد ومن طوس ومن كل المواضع واحد ليس بعضها أقرب من بعض ، وأسأل اللّه ( تعالى ) أن يوقظه من نوم الغفلة لينظر في يومه لغده قبل أن يخرج الأمر من يده والسّلام .
هامش
( 1 ) - البقرة : 148 .