ذلك ببعض عباده ، فأنت إذا سمعت كلام هذين الرجلين استحمقتهما وسخرت منهما ، وإن كان ما وصفاه من كرم اللّه وقدرته صدقا وحقا ، فكذلك يضحك عليك أرباب البصائر في الدين ، إذا طلبت المغفرة بغير مسعى لها ، واللّه تعالى يقول :
وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى
« 1 » ويقول :
إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
« 2 » ويقول :
إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ
« 3 » . وإذا لم تترك السعي في طلب العلم والمال ، اعتمادا على كرمه ، فذلك لا يترك تزودك للآخرة ، فلا تغتر فإن رب الدنيا والآخرة واحد . وهو فيهما كريم رحيم ، ليس يزيد له كرم بموتك ، وإنما كرمه أن ييسر لك طريق الوصول إلى الملك المقيم المخلد ، بالصبر على ترك الشهوات أياما قلائل ، وهذا نهاية الكرم ، فلا تحدث نفسك بهوسات البطالين ، واقتد بأولي الحزم والنهي من الأنبياء والصالحين ، ولا تطمع في أن تحصل ما لم تزرع ، وكنت كمن صلى وصام وجاهد واتقى وغفر له .
فهذه جملة ما ينبغي أن تحفظ عن جوارحك الظاهرة ، وإعمال هذه الجوارح إنما يسترشح من صفات القلب ، فإن أردت حفظ الجوارح ، فعليك بتطهير القلب ، فهو التقوى الباطن ، والقلب هو المضغة التي إذا صلحت صلح لها سائر الجسد ، وإن فسدت فسد لها الجسد ، فاشتغل بإصلاحه لتنصلح به جوارحك .
هامش
( 1 ) النجم : 39 .
( 2 ) الطور : 16 .
( 3 ) الانفطار : 13 ، 14 .