تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الآداب الشرعية والمنح المرعية — صفحة 82

مساهمون:

ص٨٢

فصل في العشق وأسبابه وعلاجه

العشق داء صعب ومرض ليس بالهين وهو فرط الحب وقد عشقه عشقا مثل علمه علما وعشقا أيضا عن الفراء ، والعشقة نبت يصفر كله ويذبل به شبه العاشق ، ورجل عشق مثل فسق أي كثير العشق عن يعقوب . والتعشق تكلف العشق ، قال الفراء : يقولون : امرأة محب لزوجها وعاشق . والعشق الطويل الذي ليس بمثقل ولا ضخم من قوم عشاقه والمرأة عشقة وقد يقتل العشق صاحبه . وقد صنف ابن الجوزي مصارع العشاق ، ولهذا ذكر بعض أصحابنا وبعض الشافعية أن من مات به من الشهداء . وذكروا الخبر الضعيف عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : " من عشق فكتم فمات مات شهيدا " " 1 " لكن له طريق آخر وقد ذكرته في كتاب الجنائز في عدد الشهداء ، وقال غير واحد من التابعين في قوله تعالى :
رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ
[ سورة البقرة : الآية 286 ] . إنه المحبة والعشق ، ومات به بعض خلفاء بني أمية أظنه يزيد بن عبد الملك بن مروان . وقال ابن الأنباري : قال ثعلب أنشدنا ابن الأعرابي :
ثلاثة أحباب فحب علاقة * وحب تملاق وحب هو القتل
يقال تملقه وتملق له تمليقا وتملاقا أي تودد إليه وتلطف له ، ولا يبتلي بالعشق غالبا إلا من غفل قلبه عن اللّه وعن ذكره وعن أمره ونهيه ، قال تعالى في حق يوسف :
كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ
[ سورة يوسف : الآية 24 ] . يدل ذلك على أن الإخلاص سبب لدفع السوء والفحشاء فالقلب إذا امتلأ من ذلك استحلاه على كل شيء وتغذى به واستغنى به عما سواه . قال في الفنون : قال بعض الحكماء : ليس العشق من أدواء الحكماء إنما هو من أمراض الخلفاء الذين جعلوا دأبهم ولهجتهم متابعة النفس وإرخاء عنان الشهوة وإفراط النظر في المستحسنات من الصور ، فهنالك تتقيد النفس ببعض الصور فتأنس ثم تألف ثم تتوق ثم تتشوق ثم تلهج فيقال : عشق ، والحكيم من استطال رأيه على هواه وتسلطت حكمته أو تقواه على شهوته ، فرعونات نفسه مقيدة أبدا ، كصبي بين
هامش
( 1 ) موضوع رواه ابن حبان في المجروحين ( 1 / 349 ) والخطيب في تاريخه ( 5 / 156 ) والثعلبي في " حديثه " ( 129 / 1 ) وأبو بكر الكلاباذي في " مفتاح المعاني " ( 281 / 2 ) والسلفي في الطيورات ( 24 / 2 ) وابن عساكر في تاريخ دمشق ( 12 / 263 / 2 ) وذكر في هذا الحديث الشيخ الألباني بحثا مطولا ذكر فيه طرقه وبين سبب ضعفها جميعا وانظر الضعيفة ( 409 ) .