وكقوله :
لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا
[ سورة المائدة :
الآية 93 ] .
وبأنه إجماع سابق في البناء والعمارة كما يأتي في كلام ابن حزم فهذا أولى ، ومن قال بخلاف ذلك يحتج بإطلاقه قوله تعالى :
وَلا تُسْرِفُوا
[ سورة الأعراف : الآية 31 ] .
ويحمل ما سبق على أن المراد الإباحة في الجملة لا مع السرف لأنه أخص وحيث لم يحرم فمعلوم أن تركه أولى ، وهل يكره ؟ ظاهر ما ذكره بعضهم أنه لا يكره لأن الأصل عدم الكراهة وعدم دليلها ويأتي كلام ابن عقيل في فصول التكسب : أقسم باللّه لو عبس الزمان في وجهك مرة لعبس في وجهك أهلك وجيرانك ثم حث على الإمساك ، وقول أحمد في الكرم والبخل متمثلا .
قليل المال تصلحه فيبقى * ولا يبقى الكثير على الفساد
وهذا يدل على الكراهة ، وهذا معلوم في الشاهد والغائب ، افتقر خلق كثير بالإسراف في اللذات والشهوات وظاهر كلام ابن الجوزي الكراهة قال في قوله تعالى :
وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا
[ سورة الأحقاف : الآية 20 ] .
قال المفسرون المراد بطيباتهم ما كانوا فيه من اللذات مشتغلين بها عن الآخرة معرضين عن شكرها ، ولما وبخهم اللّه تعالى بذلك آثر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه والصالحون بعدهم رضي اللّه عنهم اجتناب نعيم العيش ولذته ليتكامل أجرهم ولئلا يلهيهم عن معادهم .
روى جابر قال : رأى عمر لحما معلقا في يدي فقال : ما هذا يا جابر ؟ فقلت : اشتهيت لحما فاشتريته ، فقال : أو كلما اشتهيت اشتريت يا جابر ؟ أما تخاف هذه الآية :
أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا
[ سورة الأحقاف : الآية 20 ] .
وعن عمر رضي اللّه عنه أنه قيل له لو أمرت أن يصنع لك طعام ألين من هذا فقال : إني سمعت اللّه عير أقواما فقال :
أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا
[ سورة الأحقاف : الآية 20 ] . انتهى كلامه .
الأثر عن جابر في الموطأ وفيه أنه اشترى لحما بدرهم ، وأن عمر قال له : ما يريد أحدكم أن يطوي بطنه عن جاره وابن عمه أين يذهب عنكم قوله تعالى :
أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها
[ سورة الأحقاف : الآية 20 ] .
وما يروى عن السلف وأئمة الخلف المقتدى بهم في العلم والدين ما يدل على خلاف ذلك ولا يتحقق فيه إسراف والكلام فيه .
وقد قال أبو حازم لسهل بن سعد : هل أكل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم النقي ؟ فقال : ما أرى النقي