وعن ابن مسعود أنه كره كتابة العلم وكذا روي عن ابن عمر وأبي موسى الأشعري والزهري وغير واحد أنهم كرهوا ذلك ، وقال أبو هريرة : لا نكتب ولا نكتم ، وقال ابن جريج :
أخبرني الحسن بن مسلم عن سعيد بن جبير أن ابن عباس كان ينهي عن كتابة العلم وقال : إنما أضل من كان قبلكم الكتب ، قال البيهقي : وإنما ذلك للمعنى الذي أشرنا إليه أو نحوه ، وقال أيضا : لعله صلى الله عليه وسلم أذن في الكتابة لمن خشي عليه النسيان ونهى عن الكتابة لمن وثق بحفظه ، أو نهى عن الكتابة حين خاف الاختلاط ، وأذن في الكتابة حين أمن منه فقال الأوزاعي : كان هذا العلم كريما يتلافاه الرجال بينهم فلما دخل في الكتب دخل فيه من ليس من أهله .
وقال أبو كريب كان عيسى عليه السلام يقول : لا خير في علم لا يعبر معك الوادي ، ولا يعمر بك النادي ، قال في شرح مسلم أجمعت الأمة على استحباب كتابة العلم بعد ذلك وأجابوا عن أحاديث النهي بخوف اختلاط القرآن بغيره قبل اشتهاره فلما اشتهر وأمن ذلك جاز . والجواب الثاني أنه نهي تنزيه لمن وثق بحفظه وخيف اتكاله على الكتابة .
وقال الثوري : معرفة معاني الحديث وتفسيره أشد من حفظه ، وقال وكيع : قال إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع وكان ثقة : كنا نستعين على حفظ الحديث بالعمل به . وسأل مهنا أحمد ما الحفظ ؟ قال : الاتقان هو الحفظ ، وقال عبد الرحمن بن مهدي : الحفظ الاتقان ولا يكون إماما في العلم من يحدث بكل ما سمع ولا يكون إماما في العلم من يحدث بالشاذ من العلم . وقال المروذي : إن أبا عبد الله قال : ما أنفع مجالس أصحاب الحديث ! قلت :
كيف مجالستهم وهم يغتابون قال : ما أنفع مجالستهم ! يعرف الرجل الحديث بهم . وروى الخلال عن ابن سيرين قال : كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلسون في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم حلقا يتذاكرون الحديث ويتراجزون الشعر ، وروى أحمد عن عبد الله هو ابن مسعود قال : تذاكروا الحديث فإن حياته المذاكرة ، وعن علقمة قال : أطيلوا ذكر الحديث لا يدرس ، وعن وهب بن منبه قال : مجلس يتنازع فيه العلم أحب إلي من قدره صلاة ، روى ذلك الخلال ، وذكر البيهقي في كتاب المدخل من حديث شعبة عن علي ابن الحكم عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال : كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلسوا كان حديثهم يعني الفقه إلا أن يقرأ رجل سورة أو يأمروا أحدهم أن يقرأ سورة ، وعن علي رضي الله عنه قال : تذاكروا الحديث فإنكم إن لم تفعلوا ذلك اندرس العلم ، وقال أبو سعيد : تذاكروا الحديث فإن الحديث يهيج الحديث . وقال عمر المهاجري عن ابن عباس : إن له لسانا سئولا ، وقلبا عقولا رواه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عنه ، وروى أحمد عن جرير عن مغيرة قال : قال رجل لابن عباس : بم أصبت هذا العلم ؟ قال بلسان سئول ، وقلب عقول ، وقال ابن وهب عن يونس ، قال الزهري العلم خزائن وتفتحها المسألة . وروي عن الزهري أنه كان يرجع إلى منزله وقد سمع حديثا كثيرا فيعيده على جارية له من أوله إلى آخره كما سمعه ويقول لها إنما أردت أن أحفظه ، وكان غيره يعيده على
الآداب الشرعية والمنح المرعية — صفحة 86
مساهمون: محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي
ص٨٦