ضرورة بقائه وهو الطعام والشراب فمتى زاد على مقدار التحلل ضعفت الحرارة عن تحليل فضلاته فاستحالت مواد رديئة فتنوعت الأمراض لتنوع موادها وقبول الأعضاء واستعدادها فلهذا قال تعالى :
وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا
[ سورة الأعراف : الآية 31 ] .
فأمر سبحانه بإدخال ما يقيم البدن من الطعام والشراب عوض ما تحلل منه بقدر ما ينتفع به البدن ، فمتى جاوزه أسرف فكل واحد من عدم الغذاء والإسراف فيه مانع من الصحة جالب للمرض فلهذا قال من قال : الطب حفظ الصحة في بعض آية فالبدن في التحلل والاستخلاف دائما ، فكلما كثر التحلل ضعفت الحرارة لفناء الرطوبة وهي مادة الحرارة ، وإذا ضعفت الحرارة ضعف الهضم ولا يزال كذلك حتى تفنى الرطوبة وتنطفىء الحرارة جملة فيموت ، فغاية الطبيب أن يحمي الرطوبة عما يفسدها من العفونة وغيرها ، والحرارة عما يضعفها ويعدل بينها بالعدل في التدبير الذي قام به البدن فالمخلوقات قوامها بالعدل .
واعلم أن في الصحة والعافية عن النبي صلى الله عليه وسلم ما ليس في غيرهما كحديث ابن عباس " نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس : الصحة والفراغ " " 1 " رواه البخاري .
وحديث سلمة بن عبيد الله بن محصن الأنصاري عن أبيه " من أصبح معافى في جسمه آمنا في سربه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا " " 2 " سلمة فيه جهالة . رواه ابن ماجة والترمذي وقال : حسن غريب .
وحديث أبي هريرة " أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة من النعيم أن يقال له : ألم نصح جسمك ونروك من الماء البارد ؟ " " 3 " إسناد جيد رواه الترمذي وقال غريب . وأمر عليه السلام عائشة إن علمت ليلة القدر أن تقول : " اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني " " 4 " صححه الترمذي وغيره .
وعن أنس مرفوعا " لا يرد الدعاء بين الأذان والإقامة " قالوا : فما ذا نقول : قال : " سلوا الله العافية في الدنيا والآخرة " " 5 " حسنه الترمذي ولأبي داود هذا المعنى من حديث عبد الله بن
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري ( 6412 ) .
( 2 ) أخرجه الترمذي ( 2346 ) وابن ماجة ( 4141 ) . وتكلم المصنف على سنده .
( 3 ) أخرجه الترمذي ( 3358 ) وصححه ابن حبان ( 16 / 364 / 7364 ) والحاكم ( 4 / 138 ) .
( 4 ) أخرجه الترمذي ( 3513 ) والنسائي في التفسير ( 708 ) وغيره . وعبد الله بن بريدة لم يسمع من عائشة قال الدارقطني والبيهقي . وأخرجه النسائي في اليوم والليلة ( 878 ) موقوفا . وبسط تخريجه في حاشية تفسير النسائي .
( 5 ) أخرجه الترمذي ( 212 ، 3594 ) وأبو داود ( 521 ) وإسناده ضعيف ، لكن ورد من طريق آخر أشار إليه الترمذي ، وصححه ابن خزيمة ( 425 - 427 ) وابن حبان ( 4 / 594 / 1696 ) . وبسط تخريجه في حاشية -