قال شبابة : فاضتللت إبلا لي فخرجت في طلبها ، فبينا أنا أسير في الرمال ، إذا بهاتف يهتف بصوت ضعيف :
يا ابن الوليد ألا تحمون جاركم * وتحفظون له حقّ القرابات
عهدي إذا جار قوم نابه حدث * وقوه من كلّ مفروج الملمّات
هذا أبو مالك الممسي ببلقعة * مع الضّباع وآساد وغابات
طليح شوق « 1 » بنار الحب محترق * تعتاده زفرات إثر لوعات
أمّا النهار فيضنيه تذكّره * والليل مرتقب للصبح هل يأتي
يهذي بجارية من عذرة اختلست * فؤاده فهو منها في بليّات
فقلت : دلّني عليه رحمك اللّه ، قال : نعم ، اقصد الصوت ، فلما قصدت ، سمعت أنينا من خباء ، فإذا قائل يقول :
يا رسيس الهوى أذبت فؤادي * وحشوت الحشا عذابا أليما
فدنوت فقلت : أبو مالك ؟ قال : نعم ، فقلت : ما بلغ بك ما أرى ؟ قال : حبي سعاد ابنة أبي الهيذام العذري ، شكوت يوما ما أجد من حبها إلى ابن عمّ لنا ، فاحتملني إلى هذا الوادي منذ بضع عشرة سنة ، يأتيني كل يوم بخبرها ويقوتني من عنده .
فقلت : إني أصير إلى أهلها فأخبرهم بما رأيت . قال : أنت وذلك ، فانصرفت ، فأخبرتهم ، فرقّوا له فزوجوه بحضرتي ، فرجعت إليه أفرّج عنه ، فلما أخبرته الخبر ، حدّد النظر إليّ ثم تأوّه تأوّها شديدا بلغ من قلبي ، ثم قال :
الآن إذ حشرجت نفسي وحاضرها * فراق دنيا وناداها مناديها !
ثم زفر زفرة فمات ، فدفنته في موضعه ، ثم انصرفت ، فأخبرتهم الخبر ،
هامش
( 1 ) الطليح : المتعب المهزول .