بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ
( 60 ) [ الأنعام ] . قال : فأطرقت وبكت بكاء أشدّ من بكائها الأول ، ثم أفاقت ، ثم لزمت بيتها ، وأخذت في العبادة .
قال : فكانت إذا جهد بها الأمر تدعو بكتابه فتضعه على عينيها . فيقال لها :
وهل يعني هذا شيئا ؟ فتقول : وهل لي دواء غيره ! . وكان إذا جنّ عليها الليل قامت إلى محرابها ، فلم تزل على ذلك حتى ماتت كمدا .
فكان الفتى يذكرها ثم يبكي عليها ، فيقال له : ممّ بكاؤك ، وأنت أيّستها .
فيقول : إني ذبحت طمعي منها في أول مرة ، وجعلت قطعها ذخيرة لي عند اللّه عز وجل ، وإني لأستحي من اللّه عز وجل أن أستردّ ذخيرة ادّخرتها عنده .
قال ابن السراج : قال لنا أبو القاسم الأزجي : ووجدت في نسخة مسموعة عن الزينبي زيادة : ثم إن الجارية لم تلبث أن بليت ببلية في جسمها ، فكان الطبيب يقطع من لحمها أرطالا ، وكان الطبيب قد عرف حديثها مع الفتى . فكان إذا أراد أن يقطع لحمها يحدثها بحديث الفتى ، فما كانت تجد لقطع لحمها ألما ، ولا كانت تتأوّه . فإذا سكت تأوّهت . فلم تزل كذلك حتى ماتت كمدا .
أخبرنا محمد بن أبي منصور ، قال : أنبأنا المبارك بن عبد الجبار ، قال : حدثنا إبراهيم بن عمر البرمكي ، قال : أنبأنا أبو الحسين الزينبي ، قال : حدثنا ابن المرزبان ، قال : حدثني معاذ بن عمرو الباهليّ ، عن موسى بن داود ، قال :
حدثني زياد بن أمية ، قال : سمعت معافى الكوفيّ يقول : كان عندنا بالكوفة فتى من آل المهلّب بن أبي صفرة ، وكان ناسكا ، له ورع ، وكان ينزل في كندة ، وكان كثيرا ما يغشى مجالس الذّكر ، فيبكي حتى يرقّ له أهل المسجد ويبكون لبكائه .
وكان حسن الوجه حسن النطق .
قال : فرأته امرأة ممن كان يحضر المجالس فأحبته . فكانت لا تكاد تفارق المجالس التي تعلم أنه يحضرها ، فإذا انصرف قامت له بالطريق ، فإذا مرّ بها