دنت وظلال الموت بيني وبينها * ومنّت بوصل حين لا ينفع الوصل
ثم شهق شهقة ، خرجت نفسه . فوقعت عليه تلثمه وتبكي ، فرفعت عنه مغشيا عليها . فما مكثت بعده إلا أياما ، حتى ماتت .
أخبرتنا شهدة ، قالت : أنبأنا أبو محمد بن السراج ، قال : وجدت بخط أحمد بن محمد بن علي الأبنوسي ، ونقلته من أصله ، قال : حدثنا أبو محمد علي بن عبد اللّه بن المغيرة الجوهري ، قال : حدثنا أحمد بن محمد بن أسد الأزدي ، قال : أنبأنا السّاجي ، عن الأصمعي ، قال : رأيت بالبادية رجلا قد دقّ عظمه وضؤل جسمه ورقّ جلده . فتعجبت فدنوت منه أسأله عن حاله . فلم يرد جوابا ، فسألت جماعة حوله عن حاله . فقالوا : اذكر له شيئا من الشعر يكلّمك ، فقلت :
سبق القضاء بأنني لك عاشق * حتى الممات فأين منك مذاهبي
فشهق شهقة . ظننت أنّ روحه قد فارقته ، ثم أنشأ يقول :
أخلو بذكرك لا أريد محدّثا * وكفى بذلك نعمة وسرورا
أبكي فيطربني البكاء وتارة * يأبى فيأتي من أحبّ أسيرا
قال : فقلت له : أخبرني عنك . قال : إن كنت تريد علم ذلك فاحملني وألقني على باب تلك الخيمة ، ففعلت فأنشأ يقول بصوت ضعيف يرفعه بجهده :
ألا ما للمليحة لا تعود * أبخل بالمليحة أم صدود
فلو كنت المريضة جئت أسعى * إليك ولم ينهنهني الوعيد
فإذا جارية مثل القمر قد خرجت ، فألقت نفسها عليه فاعتنقا وطال ذلك ، فسترتهما بثوبي خشية أن يراهما الناس . فلما خفت عليهما الفضيحة فرّقت بينهما فإذا هما ميتان . فما برحت حتى صلّيت عليهما ودفنتهما . فسألت عنهما فقيل