أقبلت عليه فقالت :
كلانا مظهر للناس بغضا * وكلّ عند صاحبه مكين
فسرّي عنه عند ذاك . فقالت : إنما أردت امتحانك ، والذي لك عندي أكثر من الذي عندك ، وأنا معطية اللّه عهدا إن أنا جالست بعد يومي هذا رجلا سواك حتى أذوق الموت ، إلا أن أكره على ذلك . فانصرف وهو أسرّ الناس ، فأنشأ يقول :
أظنّ هواها تاركي بمضلّة * من الأرض لا مال لديّ ولا أهل
ولا أحد أفضي إليه وصيّتي * ولا وارث إلا المطية والرحل
محا حبّها حبّ الألى كنّ قبلها * وحلّت مكانا لم يكن حلّ من قبل
قلت : قد ذكرنا في هذه الحكاية قوله : « هزّتني إليك المضاجع » ، وما روي لنا إلا بالزاي ، ولا سمعنا أحد يذكره إلا كذلك .
ثم رأينا أبا الفتح بن جنيّ يذكره بالراء ، فقال : « هرّتني إليك المضاجع » .
قال : والزاي تصحيف عندهم . قال : ويقال هرّ الشيء يهرّ ويهره إذا كرهه .
فمعنى هرتني : كرهتني فنبت بي .
قلت : وفي بداية معرفتها قول آخر .
أخبرنا ابن ناصر ، قال : أنبأنا أحمد بن محمد البخاري ، قال : أنبأنا أبو محمد الجوهري . وأخبرنا محمد بن عبد الباقي ، قال : أنبأنا علي بن المحسّن ، قالا :
أنبأنا أبو عمر بن حيّويه ، قال : حدثنا محمد بن خلف ، قال : قال العمري ، عن لقيط بن بكير المحاربي : أنّ المجنون علق بليلى علاقة الصّبا ، وذلك أنهما كانا صغيرين يرعيان أغناما لقومهما ، فعلق كل واحد منهما صاحبه ، إلا أنّ المجنون كان أكثر منها فلم يزالا على ذلك حتى كبرا ، فلما علم بأمرهما حجبت ليلى عنه ، فزال عقله وفي ذلك يقول :