أحدا فأشتغل به عنه طرفة عين .
قلت : أما تستوحش في هذه البرّية وحدك ؟ فقال : إنّ الأنس باللّه قطع عني كلّ وحشة ، حتى لو كنت بين السباع ما خفتها ولا استوحشت منها .
قلت : فمن أين تأكل ؟ فقال : الذي غذاني في ظلم الأرحام صغيرا ، قد تكفّل برزقي كبيرا .
قلت : ففي أيّ وقت تجيئك الأسباب ؟ فقال : لي جدّ معلوم ووقت مفهوم ، إذا احتجت إلى الطعام أصبته في أيّ موضع كنت ، وقد علم ما يصلحني وهو غير غافل عني .
قلت : ألك حاجة ؟ قال : نعم . قلت : وما هي ؟ قال : إذا رأيتني فلا تكلّمني ولا تعلم أحدا أنك تعرفني .
قلت : لك ذاك ، فهل حاجة غيرها ؟ قال : نعم . قلت : وما هي ؟ قال : إن استطعت لا تنساني في دعائك وعند الشدائد إذا نزلت بك ، فافعل .
قلت : كيف يدعو مثلي لمثلك وأنت أفضل مني خوفا وتوكلا ! قال : لا تقل هذا ، إنك قد صلّيت للّه عز وجل قبلي ، ولك حقّ الإسلام ومعرفة الإيمان .
قلت : فإنّ لي أيضا حاجة . قال : وما هي ؟ قلت : ادع اللّه لي . فقال : حجب اللّه طرفك عن كلّ معصية ، وألهم قلبك الفكر فيما يرضيه ، حتى لا يكون لك همّ إلا هو .
قلت : يا حبيبي متى ألقاك وأين أطلبك ؟ فقال : أمّا في الدنيا فلا تحدّث نفسك بلقائي فيها ، وأما الآخرة فإنها مجمع المتّقين ، فإياك أن تخالف اللّه فيما أمرك وندبك إليه ، فإن كنت تبغي لقائي فاطلبني مع الناظرين إلى اللّه عز وجل في زمرتهم .
كتاب ذم الهوى — صفحة 155
مساهمون: ابن الجوزي
ص١٥٥