صام منصور بن المعتمر « 1 » أربعين سنة ؟ أما كان سفيان الثوري يبكي الدم من الخوف « 2 » ؟ أما كان إبراهيم بن أدهم « 3 » يبول الدم من الخوف ؟ أما تعلمين أخبار الأئمة الأربعة في زهدهم وتعبدهم ، أبو حنيفة ، ومالك ، والشافعي ، وأحمد ؟
فاحذري من الاخلاد إلى صورة العلم ، مع ترك العمل به ، فإنها حالة الكسالى الزّمنى :
وخذ لك منك على مهلة * ومقبل عيشك لم يدبر
وخف هجمة لا تقيل العثار * وتطوي الورود على المصدر
ومثل لنفسك أي الرعي * ل يضمك في حلبة المحشر
41 - العلم والعبادة
مما يزيد العلم عندي فضلا ، أن قوما تشاغلوا بالتعبد عن العلم . فوقفوا عن الوصول إلى حقائق الطلب ، فروي عن بعض القدماء أنه قال لرجل : « يا أبا الوليد ، ان كنت أبا الوليد » يتورع أن يكنيه ولا ولد له . ولو أوغل هذا في العلم لعلم أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم كنّى صهيبا أبا يحيى ، وكنى طفلا فقال : يا أبا عمير ، ما فعل النغير « 4 » .
وقال بعض المتزهدين : قيل لي يوما ، كل من هذا اللبن . فقلت : هذا يضرني .
ثم وقفت بعد مدة عند الكعبة فقلت : اللهم انك تعلم أني ما أشركت بك طرفة عين ، فهتف به هاتف : ولا يوم اللبن ؟ وهذا لو صح جاز أن يكون تأديبا له ، لئلا يقف مع الأسباب ناسيا للمسبب ، والا فالرسول صلّى اللّه عليه وسلم قد قال : ما زالت أكلة خيبر تعاودني حتى قطعت أبهري « 5 » . وقال : ما نفعني مال كمال أبي بكر .
ومن المتزهدين أقوام يرون التوكل قطع الأسباب كلها ، وهذا جهل بالعلم .
فان النبي صلّى اللّه عليه وسلم : دخل الغار ، وشاور الطبيب ، ولبس الدرع ، وحفر الخندق ،
هامش
( 1 ) السلمي الكوفي أحد الاعلام ، من تلاميذ إبراهيم ( وإذا أطلق اسم إبراهيم فهو النخعي ) ثقة متعبد توفي سنة 132 .
( 2 ) المؤلف نفسه في هذا الكتاب وفي ( منهاج القاصدين ) وفي ( تلبيس إبليس ) يكثر اللوم على مثل هذا ، ويدعو إلى اتباع السنة ، والقصد في العبادة .
( 3 ) الزاهد المشهور المتوفى سنة 161 .
( 4 ) هو طائر : اسمه النغر والنغير على التصغير .
( 5 ) الشريان الأبهر .