منهم كتابا ، وما أنكر على من ربعهم سعيد بن المسيب ، وان كان في السلف سادات ، إلا أن أكثرهم غلب عليه فن ، فنقص من الآخر ، فمنهم من غلب عليه العلم ، ومنهم من غلب عليه العمل ، وكل هؤلاء كان لهم الحظ الوافر من العلم ، والنصيب الأوفى من المعاملة والمعرفة ، ولا يؤيس من وجود من يحذو حذوهم ، وإن كان الفضل بالسبق لهم . فقد أطلع اللّه عز وجل الخضر على ما خفي عن موسى عليهما السلام . فخزائن اللّه مملوءة وعطاؤه لا يقف على شخص . ولقد حكي لي عن ابن عقيل انه كان يقول عن نفسه : أنا عمت في قارب ثم كسر . وهذا غلط .
فمن أين له ؟
فكم من معجب بنفسه كشف له من غيره ما عاد يحتقر نفسه على ذلك ، وكم من متأخر سبق متقدما ، وقد قيل :
ان الليالي والأيام حاملة * وليس يعلم غير اللّه ما تلد
32 - محاورة النفس
رأيت ميل النفس إلى الشهوات زائدا في المقدار حتى أنها إذا مالت مالت بالقلب والعقل والذهن ، فلا يكاد ينتفع بشيء من البدن . فصحت بها يوما وقد مالت بكليتها إلى شهوة : ويحك قفي لحظة أكلمك كلمات ثم افعلي ما بدا لك .
قالت : قل أسمع .
قلت : قد تقرر قلة ميلك إلى المباحات من الشهوات ، وإن جل ميلك إلى المحرمات ، فأنا أكشف لك عن الأمرين ، فربما رأيت الحلوين مرين .
أما المباحات من الشهوات فمطلقة لك ولكن طريقها صعب ، لأن المال قد يعجز عنها ، والكسب قد لا يحصّل معظمها ، والوقت الشريف يذهب بذلك ، ثم شغل القلب بها وقت التحصيل ، وفي حالة الحصول ، وبحذر الفوات . ثم ينغصها من النقص ما لا يخفى على مميز .
إن كان مطعما فالشبع يحدث آفات ، وإن كان شخصا فللملل أو الفراق ، أو سوء الخلق . ثم ألذ النكاح أكثره إيهانا للبدن ، إلى غير ذلك مما يطول شرحه .