لا تسه عن أدب الصغير * ولو شكا ألم التعب
ودع الكبير لشأنه * كبر الكبير عن الأدب
واعلم أن زمان الابتلاء ضيف قراه الصبر ، كما قال أحمد بن حنبل : إنما هو طعام دون طعام ، ولباس دون لباس ، وانها أيام قلائل .
فلا تنظر إلى لذة المترفين ، وتلمح عواقبهم ، ولا تضق صدرا بضيق المعاش ، وعلل الناقة بالحد وتسر :
طاول بها الليل مال النجم أم جنحا * وماطل النوم ضنّ الجفن أم سمحا
فان تشكت فعللها المجرّة من * ضوء الصباح وعدها بالرواح ضحى
وقد كان أهدي إلى أحمد بن حنبل هدية فردها ، ثم قال بعد سنة لأولاده :
لو كنا قبلناها كانت قد ذهبت .
ومر بشر على بئر فقال له صاحبه : أنا عطشان . فقال : البئر الأخرى . فمرّ عليها فقال له : الأخرى .
ثم قال : كذا تقطع الدنيا .
ودخلوا إلى بشر الحافي وليس في داره حصير ، فقيل له : ألا بذا تؤذى .
فقال : هذا أمر ينقضي . وكان لداود الطائي دار يأوي إليها ، فوقع سقف فانتقل إلى سقف ، إلى أن مات في الدهليز . فهؤلاء الذين نظروا في عواقب الأمور . وبعد هذا فلا أطالبك بهذه الرتبة ، بل أقول لك : إن حصل لك شيء من المباح لا منّ فيه ولا أذى ، ولا نلته بسؤال ، ولا من يد ظالم تعلم أن ماله حرام أو شبهة ، فافسح لنفسك في مباحاتها بمقدار ما تحتاج اليه . وكن مقدرا للنفقة غير مبذر .
فان الحلال لا يحتمل السرف ، ومتى أسرفت احتجت إلى التعرض للخلق والتناول من الأكدار . وان ضاق بك أمر فاصبر ، فان ضعف الصبر فسل فاتح الأبواب ، فهو الكريم وعنده مفاتيح الغيب .
وإياك أن تبذل دينك بتصنع للخلق ، أو بتقرب إلى الامراء وتستعطي أموالهم .
واذكر طريق السلف . كان ابن سمعون « 1 » له ثياب يجلس فيها للناس ثم يطويها
هامش
( 1 ) وفي نسخة ابن مسعود وهو غلط . وابن سمعون هو محمد بن أحمد مولده ووفاته ببغداد كان يضرب به المثل فيقال : أوعظ من ابن سمعون توفي سنة 387 .