فالجد الجد فإنما هي أيام وما نرى ما يلقى ولا من يؤخذ منه ، ولا من تنفع مجالسته ، إلا أن يكون نادرا ما أعرفه :
ما في الصحاب أخو وجد نطارحه * حديث نجد ولا صبّ نجاريه
فالزم خلوتك ، وراع ما بقيت ، وإذا قلقت النفس مشتاقة إلى لقاء الخلق ، فاعلم أنها بعد كدرة فرضّها ليصير لقاؤهم عندها مكروها ، ولو كان عندها شغل بالخالق لما أحبت الزحمة ، كما أن الذي يخلو بحبيبه لا يؤثر حضور غيره ولو أنها عشقت طريق اليمن لم تلتفت إلى الشام .
261 - هداية الغافلين
تفكرت في سبب هداية من يهتدي وانتباه من يتيقظ من رقاد غفلته ، فوجدت السبب الأكبر اختيار الحق عز وجل لذلك الشخص ، كما قيل : « إذا أرادك لأمر هيأك له » . فتارة تقع اليقظة بمجرد فكر يوجبه نظر العقل ، فيتلمح الانسان وجود نفسه فيعلم أن لها صانعا وقد طالبه بحقه ، وشكر نعمته ، وخوفه عقاب مخالفته ، ولا يكون ذلك بسبب ظاهر .
ومن هذا ما جرى لأهل الكهف ،
« إِذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ »
وفي التفسير : ان كل واحد منهم ألقي في قلبه يقظة فقال : لا بد لهذا الخلق من خالق . فاشتد كرب بواطنهم من وقود نار الحذر ، فخرجوا إلى الصحراء ، فاجتمعوا عن غير موعد ، فكل واحد يسأل الآخر : ما الذي أخرجك ؟
فتصادقوا .
ومن الناس من يجعل الخالق سبحانه وتعالى لذلك السبب الذي هو الفكر والنظر سببا « 1 » ظاهرا ، إما من موعظة يسمعها أو يراها ، فيحرك هذا السبب الظاهر فكرة القلب الباطنة . ثم ينقسم المتيقظون فمنهم من يغلبه هواه ، ويقتضيه طبعه ما يشتهي ، مما قد أعاده ، فيعود القهقرى ولا ينفعه ما حصل له من الانتباه .
فانتباه مثل هذا زيادة في الحجة عليه .
ومنهم من هو واقف في مقام المجاهدة بين صفين : العقل الآمر بالتقوى ،
هامش
( 1 ) أي يجعل للتفكير « الذي هو سبب الهداية » سببا ظاهرا الخ . . .