وكذلك يعطي ماله ولده ثم يبقى كلّا عليه فيتمنى الولد هلاكه ، وربما علّ به في النفقة .
وكذلك قد يثق بالصديق فيبث أسراره اليه ، فربما أظهر ذلك فكان منها ما يوجب هلاكه .
وكذلك يغتر الانسان بالسلامة وينسى طروق الموت فيأتيه بغتة فيبهته وقد فات الاستدراك ولم يبق إلا الندم . فالعاقل من كانت عينه مراقبة للعواقب ، محترزة مما يجوز وقوعه ، عاملة بالاحتياط في كل حال حافظة للسرّ وللمال ، غير واثقة بزوجة ولا ولد ولا صديق ، متأهبة للرحيل متهيئة للنقلة . هذه صفة أهل الحزم .
246 - معرفة ذات اللّه عز وجل مستحيلة
من أعجب الأمور طلب الاطلاع على تحقيق العرفان لذات اللّه عز وجل وصفاته وأفعاله ، وهيهات . ليس إلا المعرفة بالجملة ولقد أوغل المتكلمون فما وقعوا بشيء فرجع عقلاؤهم إلى التسليم ، وكذلك أصحاب الرأي ، مالوا إلى القياس فإذا أشياء كثيرة بعكس مرادهم ، فلم يجدوا ملجأ الا التسليم ، فسموا ما خالفهم استحسانا « 1 » : فالفقيه من علّل بما يمكن ، فإذا عجز استطرح للتسليم ، هذا شأن العبيد .
فأما من يقول لم فعل كذا ؟ وما معنى كذا ؟ فإنه يطلب الاطلاع على سر الملك ، وما يجد إلى ذلك سبيلا لوجهين :
أحدهما أن اللّه تعالى ستر كثيرا من حكمه عن الخلق .
والثاني أنه ليس في قوى البشر ادراك حكم اللّه تعالى كلها ، فلا يبقى مع المعترض سوى الاعتراض المخرج إلى الكفر
« فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ »
والمعنى من رضي بأفعالي والا فليخنق نفسه فما أفعل الا ما أريد .
هامش
( 1 ) لم يوضح ما يريد ، فإن كان يعني ب « أهل الرأي » الحنفية ، ويقصد « الاستحسان » المعروف عندهم . فالحق غير ما قال .