204 - إذا آذيت شخصا فلا تثق بمودته
ليس في الدنيا أبله ممن يسيء إلى شخص ويعلم أنه قد بلغ إلى قلبه بالأذى ثم يصطلحان في الظاهر ، فيعلم أن ذلك الأثر محي بالصلح . وخصوصا الملوك ، فان لذتهم الكبرى أن لا يرتفع عليهم أحد ولا ينكسر لهم غرض . فإذا جرى شيء من ذلك لم ينجبر .
واعتبر هذا بأبي مسلم الخراساني ، فإنه غض من قدر المنصور قبل ولايته فحمل ذلك في نفسه فقتله . ومن نظر في التواريخ رأى جماعة قد جرى لهم مثل هذا . ولا ينبغي لمن أساء إلى ذي سلطان أن يقع في يده ، فإنه إذا رام التخلص لم يقدر . فيبقى ندمه على ترك احترازه ، وحسرته على مساكنة الضمان للسلامة أشد عليه من كل ما يلقى به من الهوان والأذى .
ومن هذا الجنس الأصدقاء المتماثلون . فإنك متى آذيت شخصا وبلغ إلى قلبه أذاك فلا تثق بمودته ، فان أذاك نصب عينه ، فإن لم يحتل عليك لم يصف ولا تخالط إلا من أنعمت عليه فهو لم ير منك شيئا فيكون في نفسه ، وكذلك الولد والزوجة والمعاملون . ويلحق بهذا أن أقول ، لا ينبغي أن تعادي أحدا ولا تتكلم في حقه ، فربما صارت له دولة فاشتفى ، وربما احتيج اليه فلم يقدر عليه .
فالعاقل يصور في نفسه كل ممكن ويستر ما في قلبه من البغض والود ، ويداري مع الغيظ والحقد . هذه مشاورة العقل ان قبلت .
205 - العاقل من استعد لما يجوز وقوعه
كل من لا يتلمح العواقب ويستعد لما يجوز وقوعه فليس بكامل العقل .
واعتبر هذا في جميع الأحوال . مثل أن يغتر بشبابه ويدوم على المعاصي ويسوف بالتوبة ، فربما أخذ بغتة ولم يبلغ بعض ما أمل . وكذلك إذا سوّف بالعمل أو بحفظ العلم ، فان الزمان ينقضي بالتسويف ويفوت المقصود ، وربما عزم على فعل خير أو وقف شيء من ماله فسوّف فبغت .
فالعاقل من أخذ بالحزم في تصوير ما يجوز وقوعه وعمل بمقتضى ذلك ، فان امتد الأجل لم يضره ، وان وقع الخوف كان محترزا . ومما يتعلق بالدنيا أن يميل مع السلطان ويسيء إلى بعض حواشيه ثقة بقربه منه ، فربما تغير ذلك