تحمل الناقة الراكب ، ولا بد من التلطف بالناقة ليحصل المقصود من السير ، ولا يحسن في العقل دوام السهر وطول القلق ، لأنه يؤثر في البدن فيفوت أكثر المقصود .
كيف وقد خلق بدن الآدمي خلقا لطيفا ، فإذا هجر الدسم نشف الدماغ ، وإذا دام على السهر قوي اليبس ، وإذا لازم الحزن مرض القلب .
فلا بد من التلطف بالبدن بتناول ما يصلحه ، وبالقلب بما يدفع الحزن المؤذي له . وإلا فمتى دام المؤذي عجل التلف . ثم يأتي الشرع بما قد قاله العقل .
فيقول : ان لنفسك عليك حقا . وان لزوجك عليك حقا . فصم وافطر ، وقم ونم .
ويقول : كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت ، ويحث على النكاح .
ودوام القلق واليبس يترك الزوجة كالارملة ، والولد كاليتيم . ولا وجه للتشاغل بالعلم مع هذا القلق ، ومن أراد مصداق ما قلته فليتأمل حالة الرسول صلّى اللّه عليه وسلم : فإنه كان يعدّل ما عنده من الخوف فيمازح ، ويسابق عائشة ، ويكثر من التزوج . وكان يتلطف ببدنه ، فيختار الماء البائت « 1 » ، ويحب الحلوى واللحم .
ولولا مساكنة نوع غفلة لما صنف العلماء ، ولا حفظ العلم ، ولا كتب الحديث .
لأن من يقول : ربما مت اليوم ، كيف يكتب ؟ وكيف يسمع ويصنف ؟
فلا يهولنكم ما ترون من غفلة الناس عن ذكر الموت حق ذكره ، فإنها نعمة من اللّه سبحانه بها تقوم الدنيا ، ويصلح الدين . وانما تذم قوة الغفلة الموجبة للتفريط والاهمال للمحاسبة للنفس ، وتضييع الزمان في غير التزود ، وربما قويت فحملت على المعاصي . فأما إذا كانت بقدر ، كانت كالملح في الطعام لا بد منه ، فإن كثر صار الطعام زعافا . فالغفلة تمدح إذا كانت بقدر كما بينا . ومتى زادت وقع الذم . فافهم ما قلته . ولا تقل فلان شديد اليقظة ما ينام الليل ، وفلان غافل ينام أكثر الليل ، فإن غفلة توجب مصلحة البدن والقلب لا تذم والسلام .
200 - الزهد الحقيقي ، وحقيقة العزلة
ما يكاد يحب الاجتماع بالناس الا فارغ ، لأن المشغول القلب بالحق يفر من الخلق . ومتى تمكن فراغ القلب من معرفة الحق امتلأ بالخلق ، فصار يعمل لهم
هامش
( 1 ) لأنه يصفو بترسب ما قد يكون فيه من العكر .