192 - معالي الأمور تحتاج إلى تعب
تأملت عجبا ، وهو أن كل شيء نفيس خطير يطول طريقه ويكثر التعب في تحصيله . فان العلم لما كان أشرف الأشياء لم يحصل الا بالتعب والسهر والتكرار وهجر اللذات والراحة . حتى قال بعض الفقهاء : بقيت سنين أشتهي الهريسة لا أقدر لأن وقت بيعها وقت سماع الدرس .
ونحو هذا تحصيل المال ، فإنه يحتاج إلى المخاطرات والأسفار والتعب الكثير .
وكذلك نيل الشرف بالكرم والجود ، فإنه يفتقر إلى جهاد النفس في بذل المحبوب ، وربما آل إلى الفقر . وكذلك الشجاعة ، فإنها لا تحصل الا بالمخاطرة بالنفس .
قال الشاعر « 1 » :
لولا المشقة ساد الناس كلهم * الجود يفقر والاقدام قتال
ومن هذا الفن تحصيل الثواب في الآخرة ، فإنه يزيد على قدر قوة الاجتهاد والتعبد ، أو على قدر وقع المبذول من المال في النفس ، أو على قدر الصبر على فقد المحبوب ومنع النفس من الجزع . وكذلك الزهد يحتاج إلى صبر عن الهوى .
والعفاف لا يكون الا بكف كف الشره . ولولا ما عانى يوسف عليه السلام ما قيل له أيها الصديق .
وللّه أقوام ما رضوا من الفضائل الا بتحصيل جميعها ، فهم يبالغون في كل علم ويجتهدون في كل عمل ، ويثابرون على كل فضيلة . فإذا ضعفت أبدانهم عن بعض ذلك قامت النيات نائبة وهم لها سابقون . وأكمل أحوالهم إعراضهم عن أعمالهم . فهم يحتقرونها مع التمام ، ويعتذرون من التقصير . ومنهم من يزيد على هذا فيتشاغل بالشكر على التوفيق لذلك ، ومنهم من لا يرى ما عمل أصلا « 2 » لأنه يرى نفسه وعمله لسيده .
وبالعكس من المذكور من أرباب الاجتهاد ، حال أهل الكسل والشره والشهوات ، فلئن التذوا بعاجل الراحة لقد أوجبت ما يزيد على كل تعب من
هامش
( 1 ) المتنبي وفي شعره ضلالات وان لم يبلغ فيها مبلغ شيخ المعرة ولا الشاعر الكافر ابن هانئ .
( 2 ) أي لا يرى عمله أبدا .