وان كانا لا في عزلة . وأما العالم فعلمه مؤنسه ، وكتبه محدثه ، والنظر في سير السلف مقومه ، والتفكر في حوادث الزمان السابق فرجته . فان ترقى بعلمه إلى مقام المعرفة الكاملة للخالق سبحانه وتشبث بأذيال محبته تضاعفت لذاته ، واشتغل بها عن الأكوان وما فيها . فخلا بحبيبه وعمل معه بمقتضى علمه .
وكذلك الزاهد تعبده أنيسه ، ومعبوده جليسه ، فان كشف لبصره عن المعمول معه غاب عن الخلق ، وغابوا عنه .
انما اعتزلا ما يؤذي فهما في الوحدة بين جماعة . فهذان رجلان قد سلما من شر الخلق ، وسلم الخلق من شرورهما ، بل هما قدوة للمتعبدين وعلم للسالكين .
ينتفع بكلاهما السامع ، وتجري موعظتهما المدامع ، وتنتشر هيبتهما في المجامع .
فمن أراد أن يتشبه بأحدهما فليصابر الخلوة وان كرهها ليثمر له الصبر العسل .
وأعوذ باللّه من عالم مخالط للعالم ، خصوصا لأرباب المال والسلاطين يجتلب ويجتلب ويختلب فما يحصل له شيء من الدنيا الا وقد ذهب من دينه أمثاله .
ثم أين الأنفة من الذل للفساق ؟ فالذي لا يبالي بذلك هو الذي لا يذوق طعم العلم ولا يدري ما المراد به ، وكأنه به وقد وقع في بادية جرز « 1 » وقفر مهلك ، في تلك البراري وكذلك المتزهد إذا خالط وخلط ، فإنه يخرج إلى الرياء والتصنع والنفاق ، فيفوته الحظان ، لا الدنيا ونعيمها تحصل له ولا الآخرة .
فنسأل اللّه عز وجل خلوة حلوة . وعزلة عن الشر لذّة « 2 » يستصلحنا فيها لمناجاته ، ويلهم كلامنا طلب نجاته . انه قريب مجيب .
188 - التزود للآخرة
ما أبله من لا يعلم متى يأتيه الموت ، وهو لا يستعد للقائه . وأشد الناس بلها وتغفيلا من قد عبر الستين وقارب السبعين فان ما بينهما هو معترك المنايا . ومن نازل المعترك استعد وهو غافل عن الاستعداد .
قال الشباب لعلنا في شيبنا * ندع الذنوب فما يقول الأشيب
واللّه ان الضحك من الشيخ ما له معنى ، وان المزاح منه بارد المعنى ، وان
هامش
( 1 ) أي مقفرة .
( 2 ) أي لذيذة .