ثم قوله ما يلزم ( البخاري ) دليل صريح على ما قلته ، لأنه من أخرج الأنموذج لا يلزمه شيء .
وكذلك أخرج أبو عبد اللّه الحاكم كتابا جمع فيه ما يلزم البخاري إخراجه فذكر حديث الطائر فلم يلتفت الحفاظ إلى ما قال . فما أقل فهم هؤلاء الذين شغلهم الحديث من التدقيق الذي لا يلزم في صحة الحديث . وإنما وقع لقلة الفقه والفهم .
إن البخاري ومسلما تركا أحاديث أقوام ثقات لأنهم خولفوا في الحديث ، فنقص الأكثرون من الحديث وزادوا ولو كان ثمّ فقه لعلموا أن الزيادة من الثقة مقبولة ، وتركوا أحاديث أقوام لأنهم انفردوا بالرواية عن شخص ، ومعلوم أن انفراد الثقة لا عيب فيه . وتركوا من ذلك الغرائب . وكل ذلك سوء فهم . ولهذا لم يلتزم الفقهاء هذا ، وقالوا : الزيادة من الثقة مقبولة ولا يقبل القدح حتى يبين سببه « 1 » . وكل من لم يخالط الفقهاء وجهد مع المحدثين تأذى وساء فهمه . فالحمد للّه الذي أنعم علينا بالحالتين .
175 - طبيعة النفوس
اعلم أن اللّه عز وجل وضع في النفوس أشياء لا تحتاج إلى دليل . فالنفوس تعلمها ضرورة ، وأكثر الخلق لا يحسنون التعبير عنها . فإنه وضع في النفس أن المصنوع لا بد له من صانع ، وان المبنى لا بد له من بان ، وان الاثنين أكثر من الواحد ، وان الجسم الواحد لا يكون في مكانين في حالة واحدة ومثل هذه الأشياء لا تحتاج إلى دليل « 2 » ، وألهم العرب النطق بالصواب من غير لحن « 3 » ، فهم يفرقون بين المرفوع والمنصوب بأمارات في جبلتهم ، وان عجزوا عن النطق بالعلة ، قال عثمان بن جنى : سألت يوما أبا عبد اللّه بن عساف العقيلي فقلت له :
كيف تقول ( ضربت أخوك ) ؟ فقال : أقول ( ضربت أخاك ) ، فأردته على الرفع
هامش
( 1 ) ومن القدح الذي لم يبين سببه ، ولا وجه لقبوله ، ولا صحة له ، قدح بعض المحدثين بسيد فقهاء الاسلام الامام الأعظم أبي حنيفة . وأعجبه وأبعده عن الحق اتهامهم إياه بسوء الحفظ ، وقد كان في حفظه نادرة الدنيا ، وأعجوبة الدهر .
( 2 ) وهي البديهيات .
( 3 ) هذه ملكة أشبه بالغريزة وليست من باب البديهيات العقلية .