الكل بيدك ، وما فيهم من يقدر لي على ضر ، الا أن تجريه على يده ، وأنت قلت سبحانك :
« وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ »
وطيبت قلب المبتلى بقولك :
« قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا »
فإن أجريت على أيدي بعضهم ما يوجب خذلاني كان خوفي على ما نصرته أكثر من خوفي على نفسي ، لئلا يقال ، لو كان على حق ما خذل ، وان نظرت إلى تقصيري وذنوبي فاني مستحق للخذلان غير أني أعيش بما نصرته من السنة ، فأدخلني في خفارته ، وقد استودعني إياك خلق من صالحي عبادك ، فإن لم تحفظني بي فاحفظني بهم . سيدي انصرني على من عاداني ، فإنهم لا يعرفونك كما ينبغي ، وهم معرضون عنك على كل حال ، وأنا على تقصيري إليك أنسب .
160 - السعيد من ذل وسأل اللّه العافية
روي عن الحلاج الصوفي « 1 » أنه كان يقعد في الشمس في الحر الشديد وعرقه يسيل ، فجاز به بعض العقلاء فقال : يا أحمق هذا تقاوٍ على اللّه تعالى . وما أحسن ما قال هذا فإنه ما وضع التكليف إلا على خلاف الاغراض ، وقد يخرج صاحبه إلى أن يعجز عن الصبر . فالجاهل الأحمق من تقاوى ويسأل البلاء كما قال ذلك الأبله : فكيف ما شئت فاختبرني . والسعيد من ذل وسأل العافية ، فإنه لا يوهب العافية على الاطلاق فلا بد من بلاء ، فلا يزال العاقل يسأل العافية لتغلب على جمهور أحواله فيقرب الصبر على يسير البلاء . وفي الجملة ينبغي للانسان أن يعلم أنه لا سبيل إلى محبوباته ، ففي كل جرعة غصص ، وفي كل لقمة شجا :
ومن لم يعشق الدنيا قديما * ولكن لا سبيل إلى الوصال
وعلى الحقيقة ما الصبر إلا على الاقدار ، وقلّ أن تجري الاقدار إلا على خلاف مراد النفس . فالعاقل من دارى نفسه في الصبر بوعد الأجر ، وتسهيل الأمر ، ليذهب زمان البلاء سالما من شكوى ، ثم يستغيث باللّه تعالى سائلا العافية ، فأما المتجلد فما عرف اللّه قط .
نعوذ باللّه من الجهل به ، ونسأله عرفانه ، انه كريم مجيب .
هامش
( 1 ) الحلاج قتل على الكفر بسيف الشرع فلا تغتر بكلام من يدافع عنه .