تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صيد الخاطر — صفحة 119

مساهمون:

ص١١٩
قارب الضلال في أمتنا هذه المسالك ، وان كان عمومهم قد حفظ من الشرك والشك والخلاف الظاهر الشنيع ، لأنهم أعقل الأمم وأفهمها ، غير أن الشيطان قارب بهم ولم يطمع في إغراقهم ، وإن كان قد أغرق بعضهم في بحار الضلال . فمن ذلك أن الرسول صلّى اللّه عليه وسلم جاء بكتاب عزيز من اللّه عز وجل قيل في صفته :
« ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ » ،
وبين ما عساه يشكل مما يحتاج إلى بيانه بسنته كما قيل :
« لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ » ،
فقال بعد البيان : تركتكم على بيضاء نقية ، فجاء أقوام فلم يقنعوا بتبيينه ، ولم يرضوا بطريقة أصحابه ، فبحثوا ثم انقسموا ، فمنهم من تعرض لما تعب الشرع في إثباته في القلوب فمحاه منها ، فان القرآن والحديث يثبتان الإله عز وجل بأوصاف تقرر وجوده في النفوس ، كقوله تعالى :
« ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ » *
وقوله تعالى
« بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ »
وقوله تعالى
« وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي » ،
وقول النبي صلّى اللّه عليه وسلم : ينزل اللّه إلى السماء الدنيا ويبسط يده لمسيء الليل « 1 » والنهار ، ويضحك ويغضب ، وكل هذه الأشياء وإن كان ظاهرها يوجب تخايل التشبيه ، فالمراد منها إثبات موجود ، فلما علم الشرع ما يطرق القلوب من التوهمات عند سماعها قطع ذلك بقوله :
« لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ »
. ثم إن هؤلاء القوم عادوا إلى القرآن الذي هو المعجز الأكبر . وقد قصد الشرع تقرير وجوده فقال :
« إِنَّا أَنْزَلْناهُ » *
« نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ »
« فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ »
« وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ » *
. وأثبته في القلوب بقوله تعالى :
« فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ »
وفي المصاحف بقوله تعالى :
« فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ »
وقول الرسول صلّى اللّه عليه وسلم : لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو ، فقال قوم من هؤلاء : « مخلوق » فأسقطوا حرمته من النفوس ، وقالوا : لم ينزل ولا يتصور نزوله ، وكيف تنفصل الصفة عن الموصوف ، وليس في المصحف إلا حبر وورق ، فعادوا على ما تعب الشارع في إثباته بالمحو ، كما قالوا : إن اللّه عز وجل ليس في السماء ، ولا يقال استوى على العرش ، ولا ينزل إلى السماء الدنيا ، بل ذاك رحمته ، فمحوا من القلوب ما أريد إثباته فيها ، وليس هذا مراد الشارع . وجاء آخرون فلم يقفوا على ما حده الشرع ، بل عملوا فيه بآرائهم فقالوا : اللّه على العرش ، ولم يقنعوا بقوله :
« ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ » *
، ودفن لهم أقوام من سلفهم دفائن ، ووضعت
هامش
( 1 ) انظر الفصل « 49 » والفصل « 61 » .