تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صيد الخاطر — صفحة 98

مساهمون:

ص٩٨
بالأجسام ، والموت لا يذبح ذبح الأنعام ، ولقد علمتم سعة لغة العرب . ما ضاقت اعطانكم من سماع مثل هذا ، فقال العلماء : صدقت . هكذا نقول في تفسير مجيء البقرة ، وفي ذبح الموت ، فقال : واعجبا لكم صرفتم عن الموت والكلام ما لا يليق بهما ، حفظا لما علمتم من حقائقهما فكيف لم تصرفوا عن الإله القديم ما يوجب التشبيه له بخلقه « 1 » ، بما قد دل الدليل على تنزيهه عنه ، فما زال يجادل الخصوم بهذه الأدلة ، ويقول : لا أقطع حتى أقطع ، فما قطع حتى قطع .

50 - السر في حذف آية الرجم من القرآن لفظا

تفكرت في السر الذي أوجب حذف آية الرجم « 2 » من القرآن لفظا . مع ثبوت حكمها إجماعا ، فوجدت لذلك معنيين . أحدهما : لطف اللّه تعالى بعباده في أنه لا يواجههم بأعظم المشاق ، بل ذكر الجلد وستر الرجم ، ومن هذا المعنى قال بعض العلماء : ان اللّه تعالى قال في المكروهات
« كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ »
على لفظ لم يسم فاعله ، وإن كان قد علم أنه هو الكاتب ، فلما جاء إلى ما يوجب الراحة قال :
« كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ »
والوجه الثاني : أنه يبين بذلك فضل الأمة في بذلها النفوس قنوعا ببعض الأدلة فان الاتفاق لما وقع على ذلك الحكم كان دليلا . الا أنه ليس كالدليل المتفق لأجله ، ومن هذا الجنس شروع الخليل عليه الصلاة والسلام ، في ذبح ولده بمنام ، وإن كان الوحي في اليقظة آكد .

51 - الأسباب التي تنافي التوكل

عرضت لي حالة لجأت فيها بقلبي إلى اللّه تعالى وحده ، عالما بأنه لا يقدر على جلب نفعي ودفع ضري سواه ، ثم قمت أتعرض بالأسباب . فأنكر عليّ يقيني . وقال : هذا قدح في التوكل ، فقلت : ليس كذلك . فان اللّه تعالى وضع من الحكم ،
هامش
( 1 ) كقوله تعالى« وَجاءَ رَبُّكَ »وقوله « انا نسيناهم » و« اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ »فان العربي الذي نزل القرآن بلغته لا يفهمه الا مؤولا مصروفا عن ظاهره ومثلها« يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ »وآية الاستواء على العرش فان قيل إن اللّه أثبت لنفسه يدين بقوله« بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ »قلنا : وفي القرآن :( بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ) *و( بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ )فهل للرحمة والعذاب يدان ؟ لا وانما هو تمثيل يفهمه العربي ، هذا مع العلم ان اتباع السلف في السكوت عن الخوض في هذا كله وتفويض امره إلى اللّه أحسن . ( 2 ) نسخ آية بلفظها كما يروي في آية الرجم لم يثبت بدليل يفيد العلم .
صيد الخاطر — صفحة 98 | ابن الجوزي / ناجي الطنطاوي