ومبعثا للفساد والإفساد ، وأمّا آحاد الناس فاللازم عليهم هو السعي في تهذيب وتربية أنفسهم بتحصيل الملكات الحسنة وترك الملكات الرذيلة القبيحة وهجرها حتّى لا يكون حشر تلك النفوس حشر البهائم . فإنّ الناس في الدنيا بنو نوع واحد ؛ لغلبة الصورة في الدنيا على المعنى ، لكنّ الظاهر من الأخبار الكثيرة الصادرة عن الصادقين عليهم السّلام هو أنّ الناس في الآخرة بنو أنواع متعدّدة ؛ لغلبة المعنى في الآخرة على الصورة ، فمنهم من يحشر كلبا ، ومنهم من يحشر خنزيرا ، ومنهم من يحشر دبّا ، ومنهم من يحشر حمارا . . إلى غير ذلك .
فاللازم على اللبيب أن يسعى في أن يصرف عمره فيما هو له لا فيما ليس له فضلا عمّا هو عليه ، فإنّ أشدّ الخسران هو خسران العمر الذي لا يساوى بآن منه جميع ما في الدنيا ، لعدم إمكان تحصيل آن منه عند الموت بجميع ما في الدنيا
فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ *
« 1 » .
فالعاقل الكامل يتحرّز أشدّ الاحتراز عن أن يكون غافلا ، وفيما هو له متساهلا ، ولخذلان اللّه مستأهلا ، أعاذنا اللّه منه بمحمّد وآله .
وكيف ما كان فإنّ الإنسان أشرف الموجودات استعدادا بالبداهة ؛ لما نرى من فعليّاته ؛ إذ بالتخلية والتحلية والتجلية يصير بمرتبة الملك في الترقّي ، بل وأشرف منه ، بحيث يتشرّف الملك بالتبرّك به ويستشفع منه ويلوذ به كما عاذ فطرس بالإمام الحسين عليه السّلام ، بل ويفتخر به جبريل ويناغيه أشرفهم : « السّلام على من طهّره الجليل ، السّلام من افتخر به جبريل ، السّلام على من ناغاه في المهد ميكائيل » « 2 » .
وبإعمال رذائل الملكات يصير الإنسان بمرتبة الشيطان في التنزّل ، بل أخسّ منه ، وهذان هما النّجدان والطريقان في قوله تعالى :
وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ
« 3 » ، وقوله
هامش
( 1 ) الأعراف : 34 ، يونس : 49 ؛ النحل : 61 .
( 2 ) انظر : المزار لابن المشهدي : 449 ؛ بحار الأنوار 98 : 235 .
( 3 ) البلد : 10 .