وهكذا القول فيمن له دابّة أو بستان ، يؤمر بسقى البستان وحفره ، وإصلاح شأنه ، ويؤمر بأن يعلف الدابّة ويسقيها .
وأنشدوا :
ألم تر أنّ اللّه قال لمريم * إليك فهزّى الجذع ، تساقط الرّطب
ولو شاء أجنى الجذع من غير هزّه * إليها ولكن ، كلّ شيء له سبب
وهكذا قال الرسول صلى اللّه عليه وسلم : « لو أنكم توكّلتم على الله حقّ توكّله لرزقكم كما يرزق الطير ، تغدو خماصا وتروح بطانا » « 1 » لم يحمل أرزاقها إليها في أوكارها ، بل ألهمها طلبه بالغدوّ والرّواح .
وقد كان جهيل - رئيس القندهاريين « 2 » - يرى من تصديق القدر وتكذيب الطلب - دون أهل زمانه من الملوك - ما حجزه عن الطلب والتدبير ، فأخرجه إخوته من سلطانه ، وقهروه على مملكته .
فقال له بعض الحكماء : إنّ ترك الطلب يضعف الهمّة ويذلّ النفس ، وصاحبه سائر إلى أخلاق ذوات الأجحرة من الحيوان ، كالضّبّ وسائر الحشرات ، تنشأ في أجحرتها ، وفيه يكون موتها .
ثم جمعوا بين القدر والطلب ، وقالوا : إنهما كالعدلين « 3 » على ظهر الدابة ، إن حمل في واحد منهما أرجح مما حمل في الأخر ، سقط حمله « 4 » وتعب ظهره ، وثقل عليه سفره ، وإن عادل بينهما ، سلم ظهره ونجح سفره وتمّت بغيته وضربوا فيه مثلا عجيبا فقالوا :
إن أعمى ومقعدا كانا في قرية ، بفقر وضرّ ، لا قائد للأعمى ، ولا حامل للمقعد ، وكان في القرية رجل يطعمها كلّ يوم - احتسابا « 5 » - قوتهما من الطعام والشراب ، فلم يزالا في عافية إلى أن هلك المحتسب ، فأقاما بعده
هامش
( 1 ) رواه الإمام أحمد في مسنده والترمذي وابن ماجة والحاكم في المستدرك عن عمر بن الخطاب والحديث صحيح ( الجامع الصغير - رقم 7420 ) ومعنى تغدو خماصا تذهب أول النهار فارغة البطون ، ومعنى تروح بطانا : ترجع آخر النهار مليئة البطون .
( 2 ) نسبة إلى قندهار : وهي مدينة في جنوب أفغانستان ، وقاعدة مقاطعة . [ في ( ط ) : ريّس القندهار ] .
( 3 ) العدلين : أي خرج ذو فتحتين متماثلتين .
( 4 ) ( حمله ) سقطت من ( ط ) .
( 5 ) الاحتساب : رجاء الأجر والثواب من الله تعالى .