الباب الحادي والستون في ذكر الحروب وتدبيرها وحيلها وأحكامها
من حزم الملك : أن لا يحقّر عدوه وإن كان ذليلا ، ولا يغفل عنه وإن كان حقيرا ، فكم من برغوث أسهر فيلا ، ومنع الرقاد ملكا جليلا .
وقال الشاعر :
فلا تحقرنّ عدوّا رماك * وإن كان في ساعديه قصر
فإنّ السيوف تحزّ الرّقاب * وتعجز عمّا تنال الإبر
وفي الأمثال : لا تحقرن الذليل ، فربما شرق بالذباب العزيز .
ومثل العدو مثل النار ، إن تداركت أولها سهل إطفاؤها ، وإن تركت حتى استحكم ضرامها « 1 » ، صعب مرامها ، وتضاعفت بليّتها .
ومثله أيضا : مثل الجرح الردىء ، إن تداركته سهل برؤه ، وإن أغفلته حتى نغل « 2 » ، عظمت بليّته ، وأعيا الأطباء برؤه .
واعلموا : أن الناس قد وضعوا في تدبير الحروب كتبا ، ورتّبوا فيها ترتيبا ، فلا يسع أهل سائر الأقاليم حملها ، إذ لكل أمة في الغالب نوع من التدبير ، وصنف من الحيلة ، وضرب من المكيدة ، وجنس من اللقاء ، والكرّ والفر وتعبية المراكب ، وحمل بعضهم على بعض .
ولكن نصف منه أشياء تجرى مجرى المعاقد « 3 » ، لا تكاد تختلف في إنهاء أزمة الحروب :
ونبدأ أولا : بما ذكره الله تعالى في القرآن قال الله تعالى :
وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ
[ الأنفال : 60 ] فقوله
مَا اسْتَطَعْتُمْ
مشتمل على كل ما في مقدور البشر من العدّة ، والآلة ، والحيلة .
هامش
( 1 ) استحكم ضرامها : اشتد اشتعالها وتمكّن .
( 2 ) نغل : فسد .
( 3 ) المعاقد : الاعتقاد الجازم أو مواضع العقد .