الباب الثامن والخمسون في القصاص وحكمته
قال الله تعالى :
وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ
[ البقرة : 179 ] يعنى إذا علم القاتل والقاطع والفاتك إنه يقتصّ منه ، أحجم ولم يقدم على الفعل ، فيكون في ذلك حياته ، وحياة الذي همّ به .
روى ابن مسعود : عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « أول ما يقضى بين الناس في الدماء » « 1 »
روى أبو هريرة أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « من كانت عنده لأخيه مظلمة فليتحلّله منها ، فإنه ليس ثم دينار ولا درهم ، من قبل أن يؤخذ لأخيه من حسناته ، فإن لم يكن له حسنات ، أخذ من سيئات أخيه فطرحت عليه » « 2 » وهذا حديث صحيح رواه البخاري .
فإن قيل يعارضه قوله تعالى :
وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى
[ الأنعام : 164 والإسراء : 15 وفاطر : 18 والزمر : 7 ] فكيف يؤخذ الظالم بذنب ركبه « 3 » المظلوم ؟
قلنا : معنى الآية : لا يعاقب أحد بذنب أحد ابتداء ، وأما في مسألتنا : فمظلمة بقيت عنده وليس له وفاء بها ، فهو الذي اكتسب هذا الوزر وهو معنى قوله تعالى :
وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ
[ العنكبوت : 13 ] .
وروى أبو سعيد الخدري أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « يخلص المؤمنون من النار فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار ، فيقتصّ لبعضهم من بعض ، مظالم كانت بينهم في الدنيا ، حتى إذا هذّبوا ونقّوا ، أذن لهم في دخول الجنة ، فو الذي نفسي بيده ، لأحدهم أهدى لمنزله في الجنة منه بمنزله في الدنيا » « 4 » .
هامش
( 1 ) رواه الإمام أحمد والبخاري وابن ماجة والنسائي عن ابن مسعود ولفظ مسلم : « أول ما يقضى بين الناس - يوم القيامة - في الدماء » ، وقال : ذلك لعظم أمرها وكثير خطرها ، صحيح مسلم كتاب القسامة باب المجازاة بالدماء في الآخرة ج 3 رقم 1678 .
( 2 ) سبق تخريج الحديث وهو صحيح رواه البخاري والإمام أحمد عن أبي هريرة ( كنز العمال رقم 10169 ) .
( 3 ) ركبه : أي ارتكبه .
( 4 ) أخرج البخاري حديث القنطرة هذا في صحيحه ( باب القصاص يوم القيامة ) من حديث أبي سعيد الخدري رقم 6170 ورواه الإمام أحمد 3 / 63 وغيرهم كما أورده القرطبي في معرض تفسيره لقوله تعالى :وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ[ محمد : 6 ] ، وقوله تعالى :طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ[ الزمر : 73 ] ( 15 / 286 ، 16 : 231 ) .