يرحمني ، بعد ما كنت مغبوطة أهل مصر كلها ، صرت مرحومتهم ، بل محرومتهم ، هذا جزاء المفسدين .
فبكى يوسف عليه السلام بكاء شديدا وقال لها : هل بقي في قلبك من حبك إياي شيء ؟ فقالت : والذي اتخذ إبراهيم خليلا ، لنظرة إليك أحبّ إلىّ من ملء الأرض ذهبا وفضة .
فمضى يوسف عليه السلام وأرسل إليها : إن كنت أيّما « 1 » تزوجناك ، وإن كنت ذات بعل أغنيناك ، فقالت للرسول : الملك أعرف بالله من أن يستهزئ بي ، هو لم يردني في أيام شبابي وجمالى ، فكيف يقبلني وأنا عجوز عمياء فقيرة ؟ فأمر بها يوسف عليه السلام ، فجهّزت فتزوجها ، وأدخلت عليه ، فصفّ قدميه وجعل يصلى ، ودعا الله باسمه الأعظم ، فردّ الله تعالى عليها شبابها وجمالها وبصرها كهيئتها يوم راودته ، فواقعها فإذا هي بكر ، فولدت له أفراثيم بن يوسف ، وميشا بن يوسف ، وطاب في الإسلام عيشهما حتى فرق الدهر بينهما .
فيجب للقويّ أن لا ينسى الضعيف ، وللغنيّ أن لا ينسى الفقير ، فربّ مطلوب يصير طالبا ، ومرغوب إليه يصير راغبا ، ومسؤول يصير سائلا ، وراحم يصير مرحوما .
فهذا يوسف الصديق عليه السلام ، أنظر إلى ضعفه في يد إخوته يوم الجب ، ثم ضعفهم بين يديه يوم الصاع .
وهذه زليخا ملكة مصر وسيدة أهلها ، عادت تتكفّف الناس في الطرقات ، قال الله تعالى :
وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها
[ الأعراف : 137 ] ، فكان يوسف عليه السلام بعد هذا ، يجوع ويأكل خبز الشعير ، ولا يشبع ، فقيل له : أتجوع وبيدك خزائن الأرض ؟ قال :
أخاف أن أشبع فأنسى الجائعين .
وقد رأيت أن ألحقه بمنقبة « 2 » في مثلها يتنافس العقلاء ، ويرغب فيها
هامش
( 1 ) الأيّم : من لا زوج لها سواء كانت تزوجت من قبل أم لا .
( 2 ) منقبة : مفخرة وفعل كريم .