الباب الثامن والثلاثون في بيان الخصال الموجبة لذمّ الرعيّة للسلطان
قال حكيم الفرس : ذم الرعية للملك على ثلاثة أوجه :
إما كريم قصّر به عن قدره ، فأورثه ذلك ضغنا « 1 » .
وإما لئيم بلغ به فوق قدره ، فأورثه ذلك بطرا « 2 » .
وإما رجل منع حظّه من الإنصاف .
وفي الأمثال : إحسانك إلى الحرّ يبعثه على المكافأة ، وإحسانك إلى اللئيم الخسيس يبعثه على معاودة المسألة .
وقيل للإسكندر : إنّ فلانا ينتقصك ويسيء الثناء عليك ، فقال : أنا أعلم أنه ليس بشرّير ، فينبغي أن نعلم هل ناله من ناحيتنا أمر دعاه إلى ذلك ؟
فبحث عن حاله فوجدها رثّة ، فأمر له بصلة سنيّة « 3 » ، فبلغه بعد ذلك أنه بسط لسانه بالثناء عليه ، فقال : أما ترون أن الأمر إلينا أن يقال فينا خير أو شر !
وينبغي للسلطان : أن لا يتخذ الرّعيّة مالا وقنية « 4 » ، فيكونوا عليه بلاء وفتنة ، ولكن يتخذهم أهلا وإخوانا ، فيكونون جندا وأعوانا ، وقد سبق المثل ( إصلاح الرعية خير من كثرة الجنود ) .
* * *
هامش
( 1 ) الضغن : الحقد .
( 2 ) البطر : التّكبّر .
( 3 ) صلة سنية : مجزية .
( 4 ) المال : ما ملكته من جميع الأشياء وهو عند أهل البادية يطلق على النعم والمواشي كالإبل والغنم والعبيد من المال . والقنية : ما يقتنى ويكتسب .