قال شيخنا : ومن أحسن شيء سمعته في كتمان السّر ، ما أنشدنيه بعض فقهاء البصرة ، بالبصرة ، فقال :
ولها سرائر في الضمير طويتها * نسي الضمير بأنّها في طيّه
وفي معناه :
ومستودعى سرا كتمت مكانه * عن الحسّ خوفا أن ينمّ به الحسّ
وخفت عليه من هوى النفس شهرة * فأودعته في حيث لا تبلغ النّفس
قال العتبى « 1 » : أسرّ معاوية رضى اللّه عنه ، إلى عثمان بن عنبسة « 2 » حديثا ، قال : فقلت لأبى : إن أمير المؤمنين أسر إلىّ حديثا . أفأحدّثك به ؟ قال : لا ، من كتم حديثا كان الخيار له ، ومن أظهره كان الخيار عليه ، فلا تجعل نفسك مملوكا بعد أن كنت مالكا .
قلت : يا أبت ؛ أفيدخل هذا بين الرجل وأبيه ؟ قال : لا يا بنى ، ولكن أكره أن تذلّل لسانك بافشاء السر ، قال : فحدّثت به معاوية ، فقال : أعتقك أخي من رقّ الخطأ .
وقيل لبعض الملوك : ما أصعب الأشياء على الإنسان ؟ قال : ان يعرف نفسه ويكتم سرّه .
وقال قيس بن الخطيم « 3 » :
أجود بمكنون البلاد وإنني * بسرّك عمّن سلتنى لضنين « 4 »
إذا جاوز الاثنين سرّ فإنّه * يبثّ وتكثير الوشاة قمين « 5 »
وإن ضيّع الأقوام سرّا فإنني * كتوم لأسرار العشير أمين
يكون له عندي إذا ما ضمنته * مكان سويداء الفؤاد مكين « 6 »
هامش
( 1 ) العتبى ( أبو عبد الرحمن محمد بن عبيد اللّه الأموي ، سبقت ترجمته ) .
( 2 ) هو عثمان من عنبسة بن أبي سفيان بن حرب بن أخي معاوية بن أبي سفيان كان أبوه ( عنبسة ) واليا لمعاوية على مكة .
( 3 ) قيس بن الخطيم : شاعر الأوس في الجاهلية ، وأحد صناديدها ، أدرك الإسلام وتريث في قبوله ، فقتل قبل أن يدخله ، مات نحو سنة 2 قبل الهجرة ( الأعلام 5 ص 20 ) .
( 4 ) الضنين : البخيل ، ضن بالشيء : بخل به .
( 5 ) القمين : الكريه ، يثال : رائحة مقمنة أي كريهة منتنة .
( 6 ) سويداء القلب : حبّته .