وذكر صاحب كتاب التاج « 1 » : أنّ بعض ملوك العجم استشار وزراءه ، فقال أحدهم : لا ينبغي للملك أن يستشير منّا أحدا إلّا خاليا ، فإنه أموت للسّرّ ، وأحزم في الرأي ، وأجدر للسّلامة ، وأعفى لبعضنا من غائلة « 2 » بعض .
وكان بعض ملوك العجم إذا شاور مرازبته « 3 » فقصّروا في الرأي ، دعا الموكلين بأرزاقهم فعاقبهم فيقولون : تخطئ مرازبتك وتعاقبنا ؟ ! فيقول : نعم لم يخطئوا إلا لتعلق قلوبهم بأرزاقهم ، وإذا اهتمّوا أخطئوا ، وكانوا إذا اهتموا بمشاورة رجل بعثوا إليه بقوته وقوت عياله لسنته ، ليتفرّغ لبّه .
وكان يقال : النّفس إذا أحرزت قوتها اطمأنت .
وإذا شاورت فاصدق الخبر تصدقك المشورة ، ولا تكتم المستشار فتؤتى من قبل نفسك .
وقال بعض ملوك العجم : لا يمنعك شدّة بأسك في باطنك ، ولا علوّ مكانك في نفسك ، من أن تجمع إلى رأيك رأي غيرك ، فإن أحمدت أحببت ، وإن أخطأت عذرت ، فإن في ذلك خصالا منها : إن وافق رأيك رأي غيرك ازداد رأيك شدّة عندك ، وإن خالفه عرضته على نظرك ، فإن رأيته معتليا لما رأيته قبلته ، وإن رأيته متصعبا استغنيت عنه ، وتجد بذلك النصيحة ممن شاورته وإن أخطأ ، وتمحض لك مودّته وإن قصّر ، ولو لم يكن من فضيلة المشاورة إلا أنك إن أصبته مستبدا سلبت فائدة الإصابة بألسنة الحسدة .
وقال قائل : هذا اتّفاق ، ولو فعل كذا لكان أحسن ، وإذا شاورت فأصبت أحمد الجماعة رأيك ، لأنّهم لنفوسهم يحمدون ، وإن أخطأت حمل الجماعة خطأك ، لأنهم عن نفوسهم يكافحون .
واعلم أن القول الغليظ يستمع لفضل عاقبته ، كما يتكاره شرب الدواء المرّ لفضل مغبّته .
وقال أعرابي : ما عثرت قطّ حتى عثر قومي . قالوا : وكيف ذلك ؟ قال : لا أفعل شيئا حتى أشاورهم .
هامش
( 1 ) كتاب التاج في سيرة أنوشروان من الكتب المتحدثة بالحكمة والتي ألّفها الفرس لملوكهم .
( 2 ) الغائلة : الدهاء والمكر والشر والفساد .
( 3 ) المرازبة : كلمة فارسية تعني الرؤساء والمرزبة ( الرئاسة ) .