وسمع رجلا يقول : يا ليتني كنت من أصحاب اليمين ، فقال ابن مسعود :
يا ليتني إذا متّ لم أبعث .
وقال عمران بن حصين « 1 » : وددت أني رماد فتسفيني الرّياح في يوم عاصف .
وقال أبو الدرداء « 2 » : يا ليتني كنت شجرة تعضد ، وتؤكل ثمرتي ، ولم أكن بشرا .
وروي أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، لما رجع من صفين فدخل أوائل الكوفة ، فإذا هو بقبر ، فقال : قبر من هذا ؟ فقالوا : قبر خبّاب بن الأرتّ « 3 » . فوقف عليه ، وقال : رحم الله خبّابا ، أسلم راغبا ، وهاجر طائعا ، وعاش مجاهدا ، وابتلي في جسمه آخرا ، ألا ولن يضيع الله أجر من أحسن عملا . ثم مضى فإذا قبور ، فجاء حتى وقف عليها ، فقال : السلام عليكم أهل الديار الموحشة ، والمحالّ المقفرة ، أنتم لنا سلف ، ونحن لكم تبع ، وبكم عما قليل لاحقون ، اللهم اغفر لنا ولهم ، وتجاوز عنا وعنهم ، طوبى لمن ذكر المعاد ، وعمل للحساب ، وقنع بالكفاف ، ورضي عن الله عز وجل .
ثم قال : يا أهل القبور : أما الأزواج فقد نكحت ، وأما الديار فقد سكنت ، وأما الأموال فقد قسّمت ، فهذا خبر ما عندنا ، فما خبر ما عندكم ؟ ثم التفت إلى أصحابه وقال : أما إنهم لو تكلموا لقالوا : « وجدنا أنّ خير الزّاد التقوى » .
* * *
هامش
( 1 ) عمران بن حصين بن عبيد الخزاعي ، من علماء الصحابة ، أسلم عام خيبر ، وبعثه عمر ليفقه أهل البصرة ومات فيها سنة 52 ه . ( الأعلام 5 / 70 ) .
( 2 ) أبو الدرداء : عويمر بن عامر ، سبقت ترجمته .
( 3 ) خباب بن الأرت : صحابي كان يعمل السيوف بمكة ، وأول من أظهر إسلامه ؛ حيث كان سادس ستة في الإسلام ، عذّبه المشركون وصبر ، تزل الكوفة ومات فيها سنة 37 ه . ( الأعلام : 2 / 301 ) .