الباب الأول في معرفة الانسان نفسه
قالت الحكماء مرة : أول ما يلزم الانسان معرفته نفسه وقالوا مرة أول ما يلزمه معرفة اللّه تعالى . وليس بين هذين القولين منافاة فإنهم عنو بالأول حيث قالوا معرفة النفس الأول من حيث الترتيب الصناعي وعنو ( بالأول أيضا ) حيث قالوا معرفة اللّه الأول من حيث الشرف والفضل فإن معرفة اللّه هي أفضل المعارف . وفي معرفة النفس اطلاع على أمور كثيرة :
أحدها : انه بواسطتها يتوصل الانسان إلى معرفة غيرها ومن جهلها جهل كل ما عداها
والثاني : ان نفس الانسان مجمع الموجودات كما نبين بعد فمن عرفها فقد عرف الموجودات ولذلك قال اللّه تعالى :
( أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ )
تنبيها على أنهم لو تدبروا أنفسهم وعرفوها عرفوا بمعرفتها حقائق الموجودات فانيها وباقيها وعرفوا بها حقيقة السماوات والأرضين ولما أنكروا البعث الذي هو لقاء ربهم قال اللّه :
( سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ )
.
وقال
( وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ )
.
والثالث : ان من عرف نفسه عرف العالم ومن عرفه صار في حكم المشاهد للّه تعالى وهو يخلق السماوات والأرض ولم يكن كالكفرة الجهلة