والطريق في ذلك أن نعرف أولا نفوسنا ما هي « 1 » ؟ ، وأي شيء هي ؟ ، ولأي شيء أوجدت فينا ؟ أعني كمالها وغايتها ، وما قواها وملكاتها التي إذا استعملناها على ما ينبغي بلغنا بها هذه الرتبة العلية .
وما الأشياء العائقة لنا عنها وما الذي يزكيها فتفلح ، وما الذي يدسيها « 2 » فتخيب ؟
فانّه عز من قائل يقول :
وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها * فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها * وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها .
« 3 »
ولما كان لكل صناعة مبادئ عليها تبتني وبها تحصل ، وكانت تلك المبادئ مأخوذة من صناعة أخرى ، وليس في شيء من هذه الصناعات أن تبين مبادئ أنفسها ، كان لنا عذر واضح في ذكر مبادئ هذه الصناعة ، على طريق الإجمال والإشارة بالقول الوجيز وان لم يكن مما قصدنا له . واتباعها بعد ذلك مما توخيناه من إصابة الخلق الشريف الذي يشرف شرفا ذاتيا حقيقيا ، لا على طريق العرض الذي لا إثبات له ولا حقيقة ، أعني المكتسب بالمال والمكاثرة ، أو السلطان والمغالبة أو الاصطلاح والمواضعة « 4 » :
فنقول وباللّه التوفيق قولا نبين به أن فينا شيئا ليس بجسم ، ولا بجزء من جسم ، ولا عرض ، ولا محتاج في وجوده إلى قوة جسمية ، بل هو جوهر بسيط غير محسوس بشيء من الحواس ، ثم نبيّن ما مقصودنا منه الذي خلقنا له وندبنا اليه فنقول :
هامش
( 1 ) . النفس مصدر جمع أنفس ونفوس ، أي : الروح أو العين ، يقال : أصابه نفس : أي عين ، أو الدم :
لأنه إذا فقد من بدن الانسان ، فقد نفسه ، يقال : هو عظيم النفس .
( 2 ) . دساه تدسية : أغواه وأفسده .
( 3 ) . الشمس / 7 ، 8 ، 9 ، 10 .
( 4 ) . أي الموافقة في العمل .