القافلة لبطشوا بي » !
كانت الدعاية السياسية الدينية تقسم إذن السكان بشكل خطير . وبالتالي فإنّ الإسلام لم يكن آنئذ موحدا ولا منسجما .
فقد كانت هناك تعددية في الآراء والاتجاهات الثقافية المختلفة . كان هناك غليان فكري حقيقي . والدليل على ذلك وجود شخصيّات ضخمة من أمثال ابن العميد الأب والأبن ، والصاحب بن عباد ، والقاضي عبد الجبار ، الخ . . . وكانوا يفتحون بيوتهم في مراكز ثقافية عريقة كالري وأصفهان لمختلف أنواع الكتّاب والأدباء والفلاسفة .
وهكذا إزدهرت المناظرات والمناقشات والمنافسات في هذه المدن ، التي لم تكن تحسد بغداد على أي شيء من هذه الناحية . وكانت السياسة الرسمية تحبّذ المذهب الشيعي أكثر من غيره لتوجّهاته المستنيرة المنفتحة على مختلف ثقافات العالم ، والمكاتب الأخرى . وهذا شيء متقدم جدا بالنسبة لوقته .
ويمكن أن نفترض بأن مسكويه كان قد سمع منذ نعومة أظفاره ببعض هذه المجالس ، وكان قد اطلع على التعاليم الأساسية للأخلاق ، حيث تقدم الفضيلة على الرذيلة .
وعندما نقرأ كتاب « تهذيب الأخلاق » نجد هذا الصوت ذا اللهجة الحميمة الذي يعكس السيرة الذاتية لمسكويه ، فهو يتحدث فيه عن التربية التي ينبغي على الآباء أن يقدموها إلى أبنائهم . ويقول :
« والشريعة هي التي تقوّم الأحداث وتعوّدهم الأفعال المرضية ، وتعدّ نفوسهم لقبول الحكمة وطلب الفضائل والبلوغ إلى السعادة الإنسيّة بالفكر الصحيح والقياس المستقيم . وعلى الوالدين أخذهم بها وبسائر الآداب الجميلة . . . » .
تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق — صفحة 49
مساهمون: أحمد بن محمد مسكويه الرازي
ص٤٩