2 - الالتزام النظري والعملي
ومما يؤخذ به من يحفظ صحّة نفسه ان يلتزم وظيفة من الجزء النظري والعملي ، لا يسوغ له الإخلال بها البتة لتجري النفس مجرى الرياضة التي تلزم في حفظ صحة البدن ، وأطباء النفوس أشد تعظيما لها في حفظ صحة النفس . وذلك ان النفس متى تعطلت من النظر ، وعدمت الفكر والغوص على المعاني تبلّدت وتبلّهت ، وانقطعت عنها مادة كل خير . وإذا الفت الكسل وتبرمت « 1 » بالرؤية واختارت العطلة ، قرب هلاكها لأن في عطلتها هذه انسلاخا من صورتها الخاصة بها ، ورجوعا منها إلى رتبة البهائم وهذا هو الإنتكاس في الخلق نعوذ باللّه منه . « 2 »
وإذا تعود الحدث الناشئ من مبدأ كونه الارتياض بالأمور الفكرية ، ولازم التعاليم الأربعة ألف الصدق واحتمل ثقل الروية والنظر ، وانس بالحق ونبا طبعه عن الباطل ، وسمعه عن الكذب ، فإذا بلغ أشده وانتقل إلى مطالعة الحكمة استمرّ طبعه فيها وتشرب ما يستودع منها ، ولم يرد عليه أمر غريب ولا يحتاج إلى كثير تعب في فهم غوامضها واستخراج دفائنها ، فيصل إلى سعادتها التي ذكرناها سريعا . وان كان حافظ هذه الصحة قد توحد في العلم وبرع ، فلا يحملنه العجب بما عنده على ترك الازدياد ، فإن العلم لا نهاية له ، وفوق كلّ ذي علم عليم ، ولا يتكاسلن عن معاودة ما
هامش
( 1 ) . تبرمت أي سئمت وضجرت .
( 2 ) . انتكاس في الخلق ، وليس في الخلق .
لأن الانتكاس في الخلق ( بفتح الخاء ) ، هي سنة إلآهية .وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَ فَلا يَعْقِلُونَيس / 68 .
وحتى الأنبياء وينكّسون في الخلق :قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّامريم / 4 .
في هذه الآية يريد ان يعبّر النبي زكريا عليه السّلام عن ضعفه الداخلي والباطني فقالرَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّيوعن ضعفه الظاهريوَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً .