سبب هاتين النعمتين ومعرضنا لهما وسائقنا اليهما وإلى جميع النعم ، هو السبب الأول الذي هو سبب الخيرات كلها ، قربت منا أو بعدت عنا عرفناها أو لم نعرفها ، وجب أن تكون محبتنا له في أعلى مراتب المحبات . وكذلك طاعتنا له وتمجيدنا إياه .
ويجب على من بلغ هذه المنزلة من الأخلاق أن يعرف مراتب المحبات ، وما يستحقه كل واحد من صاحبه حتى لا يبذل كرامة الوالد للرئيس الأجنبي ، ولا كرامة الصديق للسلطان ، ولا كرامة الولد للعشير ، « 1 » ولا كرامة الأب للابن ، فان لكلّ واحد من هؤلاء وأشباههم صنفا من الكرامة وحقّا من الجزاء ليس للآخر ، ومتى خلط فيه اضطرب وفسد وحدثت الملامات . وإذا وفي كلّ واحد منهم حقه وقسطه من المحبة والخدمة والنصيحة ، كان عادلا وأوجبت له محبته وعدالته فيها محبته على صاحبه ومعامله . وكذلك يجب أن يجري الأمر في مؤانسة الأصحاب والخلطاء ، والمعاشرين من توفية حقوقهم وإعطائهم ما هو خاص بهم .
ومن غش المحبة والصداقة كان أسوأ حالا ممن غش الدرهم والدينار ، « 2 » فان الحكيم ذكر أن المحبة المغشوشة تنحل سريعا وتفسد وشيكا ، كما أن الدرهم
هامش
( 1 ) . العشير ، جمع عشراء ، أي : القبيلة أو القريب الصديق ، زوج المرأة ، المرأة .
( 2 ) . على قول الشاعر الانساني ، جبران خليل جبران في قصيدته المواكب يقول :والعدل في الأرض يبكى الجنّ لو سمعوا * به ويستضحك الأموات لو نظروا
فالسّجن والموت للجانين إن صغروا * والمجد والفخر والإثراء إن كبروا
فسارق الزّهر مذموم ومحتقر * وسارق الحقل يدعى الباسل الخطر
وقاتل الجسم مقتول بفعلته * وقاتل الرّوح لا تدري به البشر