وامّا الجواب الآخر فهو ان الانسان لما كان ذا قوى كثيرة يسمى بمجموعها انسانا واحدا لم ينكر ان تصدر عنه افعال مختلفة بحسب تلك القوى ، وانما المنكر ان يكون الشيء الواحد البسيط ذو القوة الواحدة تقع منه بتلك القوة أفعال مختلفة ، لا بحسب الآلات المختلفة ولا بقدر القابلات منه ، بل بتلك القوة الواحدة فقط ، فهذا لعمري منكر شنيع .
ولكن الانسان قد تبين من حاله ان له قوى كثيرة فيعمل بكل قوة عملا مخالفا للعمل بالأخرى ، اعني ان صاحب الغضب إذا استشاط يختار افعالا مخالفة لأفعاله إذا كان ساكنا وادعا . « 1 » وكذلك صاحب الشهوة الهائجة وصاحب النشوة الطروب ، فان من شأن هؤلاء ان يستخدموا العقل الشريف في تلك الأحوال ولا يستشيرونه .
ولذلك تجد العاقل إذا تغيرت أحواله تلك فصار من الغضب إلى الرضا ومن السكر إلى الإفاقة تعجّب من نفسه وقال : ليت شعري كيف اخترت تلك الأفعال القبيحة ؟
ويلحقه الندم وانما ذلك لأن القوة التي تهيج به تدعوه إلى ارتكاب فعل يظنه في تلك الحال صالحا له جميلا به ، لتتم له حركة القوة الهائجة به ، فإذا سكن عنها وراجع عقله رأى قبح ذلك الفعل وفساده .
وقوى الانسان التي تدعوه إلى ضروب الشهوات ومحبة الكرامات ، وان كان لا يستحقها ، كثيرة جدا ، فهو بحسب قواه الكثيرة تكون أفعاله كثيرة ، فإذا تعوّد الانسان أن تكون سيرته فاضلة ، ولم يقدم على شيء من أفعاله الا بعد مطالعة العقل الصريح وبعد مراعاة الشريعة القويمة كانت أفعاله كلها منتظمة غير مختلفة ولا خارجة عن سنن العدل ، أعني المساواة التي قدمنا القول فيها . ولهذا السبب قلنا : ان السعيد هو
هامش
( 1 ) . الوداع والوديع : المطمئن .