فيها ، فإنما ذاك منهم على سبيل المتجر والمرابحة في هذه بعينها ، كأنهم تركوا قليلها ليصلوا إلى كثيرها ، وأعرضوا عن الفانيات « 1 » منها ليبلغوا إلى الباقيات ، « 2 » الا انك تجدهم مع هذا الاعتقاد وهذه الأفعال إذ ذكر عندهم الملائكة ، والخلق الاعلى الأشرف ، وما نزههم اللّه عنه من هذه القاذورات ، عدوا بالجملة أنهم أقرب إلى اللّه تعالى وأعلى رتبة من الناس ، وانهم غير محتاجين إلى شيء من حاجات البشر ، بل يعلمون أن خالقهم ، وخالق كل شيء الذي تولى ابداع الكل ، وهو منزه عن هذه الأشياء متعال عنها غير موصوف باللذة والتمتع مع التمكن من ايجادها ، وأن الناس يشاركون في هذه اللذات الخنافس والديدان وصغار الحشرات والهمج من الحيوان ، وانما ينافسون الملائكة بالعقل والتمييز ثم يجمعون بين هذا الاعتقاد والاعتقاد الأول .
وهذا هو العجب العجيب : وذاك أنهم يرون عيانا ضروراتهم بالأذى الذي يلحقهم بالجوع والعري وضروب النقص ، وحاجاتهم إلى مداواتها بما يدفعها عنهم فإذا زالت آثارها وعادوا إلى حال السلامة منها التذوا بذلك ، ووجدوا للراحة لذة ولا يشعرون انهم إذا اشتاقوا إلى لذة المآكل فقد اشتاقوا أولا إلى ألم الجوع ، وذلك انهم ان لم يؤلموا بالجوع لم يلتذوا بالاكل . وهكذا الحال في سائر اللذات الأخر إلا أن هذا الحال في بعضها أظهر منها في بعض .
وسنتكلم على أن صورة الجميع واحدة ، وأن اللذات كلها انما تحصل للملتذ بعد آلام تلحقه ، لأن اللذة هي راحة من ألم . « 3 » وإن كل لذة حسية إنما هي خلاص من ألم
هامش
( 1 ) . أي : الأمور الدنيوية ، حيث لا صلة لها بالآخرة .
( 2 ) . أي : الباقيات الصالحات ، وهي الأمور والأشياء التي تبقى مع الانسان إلى يوم القيامة .
( 3 ) . كما قال اللّه عز وجل :فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً .الإنشراح / 5 - 6 .