تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 77

مساهمون:

ص٧٧
أتباعهم كالأرض ، وما ينتج بينهما من فوائد العلوم ، من الآراء والأعمال ، كالنبات والحيوان والمعادن . وإلى هذه المعاني أشار بقوله :
« أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً »
يعني القرآن
« فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها »
يعني حفظتها القلوب بمقاديرها من القلّة والكثرة
« فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً »
يعني ما تحمل ألفاظه وظاهره معاني متشابهات حفظتها قلوب المنافقين الزائغة الشاكّين المتحيرين « ومما توقدون عليه في النار » مثل آخر يعني الجواهر المعدنية لها زبد عند السّبك كزبد السيل . ثم قال :
« كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ »
يعني أمثال الحقائق والأباطيل
« فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً »
يعني الأباطيل والشّبهات تذهب فلا ينتفع بها .
« وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ »
يعني ألفاظ التنزيل تثبت في قلوب المؤمنين المصدّقين ، وتثمر الحكمة كما ذكر فقال ، عزّ وجلّ :
« مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ »
. واعلم يا أخي أن الناموس لا يتم إلّا بالأوامر والنواهي . والأمر والنهي لا ينفذان إلّا بالوعد والوعيد . والوعد والوعيد لا يتمكّنان إلّا بالترغيب والترهيب . والترغيب والترهيب لا ينجعان إلّا فيمن يخاف ويرجو . والخوف والرجاء لا يظهران ولا يعرفان إلّا عند اتّباع الأمر والنهي . فمن لا يخاف شيئا ولا يرجو أملا فهو لا يرغب ولا يرهب . ومن لا يرغب ولا يرهب ، فلا ينجع فيه الوعد والوعيد ، ولا ينجع فيه الأمر والنهي . ومن لا يأتمر لواضعي النواميس ولا ينتهي عن نواهيهم ، فلا يكون له نصيب في الناموس الإلهي البتّة . واعلم يا أخي أن الأمور التي يخاف منها في العاقبة ويرجى إليها الوصول في استعمال النواميس نوعان اثنان : أحدهما دنيوي والآخر أخروي . فأما الدنيوي مثل الرئاسة وحسن الثناء والعزّ والمال ومتاع الدنيا ، ما دامت النفس مقرونة مع الجسد ، وما يبقى منها من الذّرّيّة والأعقاب بعد الممات .