فصل
فينبغي إذا ظفرت بواحد منهم أن تختاره على جميع أصدقائك وأقربائك وعشيرتك وجيرانك الذين نشأت معهم فإنه خير لك من ولدك الذي من ظهرك ، وأخيك من صلب أبيك ، ومن زوجتك التي جعلت كلّ كسبك لها ، وجميع سعيك من أجلها ، فاعرف حقّه كما تعرف حقوقهم ، بل ينبغي أن تؤثره عليهم كلهم ، لأن هؤلاء يحبونك من أجل منفعة تصل منك إليهم ، ويريدونك من أجل مضرّة تدفعها عنهم ، فإذا استغنوا عنك زهدوا فيك ورغبوا في غيرك وخذلوك أحوج ما تكون إليهم . فأما هذا الأخ فليس يريدك من أجل شيء خارج عن ذلك ، بل من أجل أنه يرى ويعتقد أنك إياه وهو إياك نفس واحدة في جسدين متقابلين ، يسرّه ما يسرّك ويغمّه ما يغمّك ، يريد لك منه مثل الذي تريد له منك . واعلم أن قلوب الأخيار صافية ، لأن نفوسهم طاهرة ، ولا تخفى عليهم خفيّات الأمور ، لأنها تتراءى فيها كما تتراءى في أعين البصراء ظواهر كلّيات الأمور . فلا تضمرنّ لإخوانك الأصفياء خلاف ما تظهر لهم ، فإن ذلك لا يخفى عليهم ولا ينكتم عليهم منك .
فصل
واعلم بأن خير شيء يرزقه الإنسان السعادة ، وان السعادات نوعان :
داخل وخارج ، فالذي هو داخل نوعان : أحدهما في الجسد والآخر في النفس .
فالذي في الجسد كالصحة والجمال ، والذي في النفس كالذكاء وحسن الخلق .
والذي من خارج نوعان : أحدهما ملك اليد كالمال ومتاع الدنيا ، والآخر الأقران من أبناء الجنس كالزوجة والصديق والولد والأخ والأستاذ والمعلم والصاحب والسلطان ، فمن أسعد السعادات أن يتّفق لك يا أخي معلم