ثم قدما على الشيخ بالذي هما عليه من الشّعث وقلّة الجمال ما يليق بالنّسّاك من الفقر وسوء الحال . فأخبر الملك بقدوم الرجلين من عند الحكيم ففرح بهما واستبشر ، ثم أمر بإيصالهما إليه فدخلا عليه ، فقام لهما قائما على قدميه ، وأمرهما بالجلوس ، فجلسا مجالس العلماء المفيدين ، وجلس الملك والوزير مجالس المتعلمين المستفيدين .
ثم تقدّم المبتدئ بالعلم الرياضي فعلّم الملك والوزير حتى أحكماه وتعلماه :
الملك ووزيره ، وقاما بموجباته وأحكامه .
ثم انفصل الأول وتقدّم الثاني فتلا عليهما الحكمة الإلهية إلى أن بلغا من ذلك غاية ما كان عنده واستفادا ما كان في وسعه . فلما فرغا مما أمرا به وأرادا الانصراف أقبل الملك عليهما وقال :
إني لا أجد لكما مكافأة على ما فعلتماه بي وتوليتماه من أمري إلّا أن أسلّم إليكما ملكي فتتدبرانه وتحكمان فيه بما أردتما ، وقد أبحتكما جميعه وهو عندي قليل لكما .
فلما سمعا ذلك منه ردّا عليه ردّا جميلا ، وانصرفا إلى مكان كان الملك قد أعدّه لهما ، فتشاورا فيما عرضه الملك عليهما وأهداه إليهما من ملكه وقد مالت أنفسهما إلى ما رأياه من حسن الدنيا وبهجتها ، وما عايناه من حسن قنيتها وطيب لذّاتها ، فقالا :
لا بأس أن تجتمع لنا المنزلتان وننال السعادتين : الملك في الدنيا والآخرة ، وعزما على ما قبول ما أهدى الملك إليهما من ملكه والجلوس فيه والقيام به ، ثم خلا الملك بوزيره فقال له :
اعلم يا أخي أن هذه الدنيا فانية ولسنا مخلّدين ، وقد نلنا من لذّاتها ونعيمها ما قد نلناه ، ووصلنا منها إلى ما وصلنا إليه وقدرنا عليه ، فهلمّ بنا نتخلى منها ونلزم مداومة النظر في هذا العلم الشريف والعمل اللطيف الذي نصل به إلى الفوز والنجاة من بعد الموت ، فإننا لا نشك في وصول الموت
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 325
مساهمون: إخوان الصفاء
ص٣٢٥