تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦

فصل في فعل اللّه تعالى الذي فعله بذاته وما يليق به من صفاته

اعلم أيها الأخ أن نسبة العقل من مبدعة أقرب من نسبة ما دونه ، ونسبة ما دونه لمن ينسب أولا منه أقرب ، وكذلك الأفعال البادية عن كل قوة من القوى المتصلة بكل واحد من الأصول البادية وما يتعلق به من الصفات والتراكيب المؤلفة . ولما كان العقل هو أقرب الأشياء من باريه ، جلّ اسمه ، وأنه الفاعل لما دونه بأمره وجب أن يكون هو فعل الباري تعالى الذي فعله بذاته ، وكتابه الذي كتبه بيده ، وهو الملك الذي ليس له فيه شريك يناوئه ولا ضد ينافيه بل هو خالص صاف لا يقع عليه التغيير ، ولا يجوز عليه التبديل ، مشرقة أنواره ، ظاهرة آثاره ، حاو لما بدا عنه ، محيط ما يكون منه . فهذا هو فعل اللّه الخاص به المنسوب إليه الذي لا تفاوت فيه . ولما كان الفاعل يعطي فعله الخاصّ به صورته ومثاله ، ويؤيده بالقدرة التي تتكوّن لها بها القوة على ما يبديه من أعماله ، صار العقل موضعا لأمر اللّه ، عز وجل ، ومكانا لقدرته . وقد جاء في بعض الكتب المنزلة أن اللّه خلق آدم على صورته ومثاله ، وقوله ، عز وجل : « وله المثل الأعلى في السماوات والأرض » وكذلك قال الحكماء إن في المعلول توجد آثار العلة . وكذلك صارت الأفعال المحكمة والصنائع المتقنة تدل على حكمة صانعها ، وتنسب إليه ويكون موصوفا بها . فلنذكر ما يليق بها من الصفة مثل ما لاق به من الفعل . اعلم أيها الأخ البار الرّحيم أن صفات الباري ، جل جلاله ، بالتقريب من أفهام المخلوقين المنسوبة من أفعال الجسمانيين ، روحانية لا من حيث كونها