فصل
وكما قلنا في كيفية قبول نفوس الأخيار إلهام الملائكة فهكذا نقول في قبول نفوس الأشرار وسواس الشياطين ، كما بيّنا طرفا منه قبل ذلك :
إن كل إنسان يكون في أفعاله القبيحة وأخلاقه الرديئة وجهالاته المتراكمة بالبهائم أشدّ شبها ، فأقول إن نفسه لوسواس الشياطين أسرع قبولا ولطاعة الهوى أسهل انقيادا ، كما ذكر اللّه تعالى : « إن الذين اتّقوا إذا مسّهم طائف من الشيطان تذكروا » الآية .
فإن قيل كيف يجد الإنسان نفسه في حال إلهام الملائكة والوحي ؟ قل :
كما حكى ذلك الرجل التائب عن نفسه ، حين قيل له : من أين لك هذه الحكمة ؟ فإن قيل : كيف يرى الإنسان أشخاص الملائكة وليست بأجسام ؟
فقل : كما يرى رسوم الأشياء في المرايا وصورها ، وليست تلك الصور بأجسام .
فإن قيل : كيف يسمع كلامهم وليسوا بحيوان ذي رئة ولا آلات جسدانية ؟
فقل : كما نسمع الصدى . وإنما اختصر بالجواب عن كيفية رؤية الملائكة واستماع كلامهم بجواب مثالي من غير شرح ، لأن معرفة حقيقتها مما يحتاج الإنسان فيه إلى بحث شديد ونظر دقيق ، كما ذكرنا في رؤية الأشخاص الجرمانية والأصوات الجسمانية في رسالة الحاسّ والمحسوس ؛ ولعل كثيرا من العقلاء يدقّ عليهم فهمها بحقيقتها فكيف بهذه الأمور الروحانية ! والدليل على أن معرفة رؤية الأشخاص الجرمانية والأصوات الجسمانية عسير فهمها اختلاف العلماء في ذلك ، لأن العلماء لا يختلفون في أمور محسوسة إلّا لدقتها ، فكيف بالأمور المعقولة !