وأصحاب الشرائع في سنن الديانات الذهاب إلى قبور الأنبياء والأئمة المهديين والصالحين من عباد اللّه بالصدقات والقرابين والصوم والصلاة والدعاء عند قبورهم والسؤال بشفاعتهم . فكم يا أخي من مسجد ومشهد بني في الأرض بسبب رؤية تمثال نبي في المنام أو شهيد أو عبد صالح ، فإن لم تكن تلك النفوس موجودة باقية عند اللّه ، ويشعر من يستشفع بها إلى اللّه ، ويقتدي بها في سنن الدين ، لما كانت لهذه السّنن فائدة وإثبات ، لأن الباطل لا ثبات له ولا دوام .
فصل
وإذ قد تبيّن بما وصفنا ما الملائكة وما الشياطين ، فنريد أن نبيّن كيف تعرف الرؤيا التي تكون من إلهام الملائكة أو من وسواس الشياطين أو غيرهما من سائر أنواع المنامات ، فنقول : إن كل رؤيا تكون فيها موعظة أو في تأويلها دلالة على التقوى أو حثّ على عمل الخير ، أو تزهيد في الدنيا ، أو ترغيب في الآخرة ، أو ذكر المعاد ، أو ما شاكل هذه المعاني ، فهي إلهام من الملائكة مثل ما هي في تلك الكلمات التي حفظها العراقيّ بالروم في تلك الكنيسة من أولئك الرهبان والقسّيسين من العظة والتذكير . وإنما وعظته الملائكة بتلك الكلمات السريانية في بلد غير بلده ، وفي شريعة غير شريعته ، وبلغة غير لغته ، ليكون أبلغ في الموعظة ، وأعجب للتذكار ، لأن الحكماء إذا أرادوا تبليغ الموعظة جعلوها بضرب من الأمثال على ألسنة الحيوانات وما لا نطق له ، ليكون أعجب وأغرب وأبلغ في الأوهام ، مثل ما هو موجود في كتاب كليلة ودمنة وأمثاله من الكتب . فأما الموعظة والتذكار في رؤيا ابن الملك فهو ما فيها من الدلالة على أن أنفس الأشقياء في الدنيا من الفقراء والمساكين والضعفاء والمرضى والزّمنى وأهل البلوى إذا فارقت أجسادها